🌿 أكثر الطرق مشقّة هي التي يقطعها المرء عائدًا إلى نفسه 🌿
ليست المسافات الطويلة هي التي تُرهق القلب ..
ولا الطرق الملتوية في جغرافيا الأرض ..
بل ذاك الطريق الخفي، الصامت، العميق ..
الذي يبدأ حين يقرر الإنسان أن يعود إلى نفسه ..
نعم ..
العودة إلى النفس ليست رحلة سهلة، بل هي من أعظم وأشق الرحلات ..
لأنك فيها لا تواجه طريقًا .. بل تواجهك أنت ..
لا تقف أمام عوائق خارجية .. بل أمام تراكماتك، هروبك، إنكارك، وأقنعتك التي طالما احتميت بها ..
كم من إنسانٍ أتقن الهروب من ذاته ..
انشغل بالناس، بالأحداث، بالضجيج، بالإنجازات، حتى ظن أنه بخير ..
لكنه حين خفتت الأصوات، وبقي وحده .. أدرك أن داخله عالم لم يُرتّب بعد ..
العودة إلى النفس ..
هي أن تفتح ذلك الباب الذي أغلقتَه طويلًا ..
أن تجلس مع قلبك جلسة صدق لا مجاملة فيها ..
أن تنظر في مرآة روحك دون أن تُجمّل الصورة .. ولا أن تهرب من ملامحها ..
وهنا تبدأ المشقة ..
حين ترى ما كنت تتغافل عنه ..
حين تعترف بما كنت تنكره ..
حين تدرك أن بعض ألمك كان منك .. لا من غيرك ..
لكن ..
ما أجمل هذه المشقة إن صدقت النية، واستقام الاتجاه إلى الله ..
فالمؤمن الواعي لا يخاف من نفسه ..
بل يخاف أن يبتعد بها عن الله ..
فيعود .. ولو أثقلته الخطوات ..
ويُصلح .. ولو أوجعه الصدق ..
ويُزكّي .. ولو قاومته عاداته القديمة ..
إن العودة إلى النفس في ميزان الإيمان .. ليست انطواءً .. بل إصلاح ..
وليست ضعفًا .. بل شجاعة من نوعٍ آخر ..
شجاعة أن تقول: يا رب .. أريد أن أكون كما تحب، لا كما أهوى ..
كمعالجة نفسية، أرى أن أعظم ما يُنهك الإنسان ليس ما يواجهه .. بل ما يؤجّله داخله ..
كل مشاعر لم تُفهم ..
كل جرح لم يُحتوَ ..
كل خطأ لم يُعترف به ..
يبقى حيًا في الأعماق، يثقل الروح، ويشوّه الرؤية، ويُربك العلاقات ..
ومن هنا ..
تصبح العودة إلى النفس ضرورة نفسية قبل أن تكون اختيارًا روحيًا ..
هي لحظة ترتيب الفوضى الداخلية ..
لحظة احتواء الذات بدل قسوتها ..
لحظة فهم لا محاكمة ..
لكن .. احذر أن تعود إلى نفسك وحدك ..
بل عُد بها إلى الله ..
فمن عاد إلى نفسه دون الله .. ربما غرق فيها ..
ومن عاد بها إلى الله .. نجا وارتقى ..
اجعل عودتك مغمورة بالتوبة ..
مُضيئة بالاستغفار ..
مُحاطة برحمة الله التي تسع ضعفك، وتحتوي كسرك، وتُعيد تشكيلك من جديد ..
وحين تصدق في هذه العودة ..
ستكتشف أن نفسك التي كنت تخشاها .. كانت تنتظرك ..
لتُطهّرها، لا لتدينها ..
لتقودها، لا لتقسو عليها ..
لتأخذ بيدها إلى الله، لا لتتركها تائهة ..
ويا لها من لحظة فارقة ..
حين يتصالح الإنسان مع نفسه .. لا على حساب الحق .. بل على طريقه ..
حين يسامح نفسه لا ليبرر الخطأ .. بل ليبدأ الإصلاح ..
حين يفهم أنه إن لم يحتوِ نفسه .. فلن يستطيع أن يحتوي أحدًا ..
إن أعظم النجاحات .. ليست تلك التي تُرى ..
بل تلك التي تحدث في الخفاء ..
في قلبٍ عاد ..
ونفسٍ صلحت ..
وروحٍ اقتربت ..
فلا تخف من هذا الطريق .. وإن طال ..
ولا تهرب منه .. وإن أوجع ..
فوالله .. ما سلكه عبدٌ صادق إلا وجده طريق نجاة ..
وما عاد أحد إلى نفسه لله .. إلا عاد وهو أقرب إليه .. وأهدأ قلبًا .. وأصفى روحًا ..
اللهم يا من خلقت النفس وتعلم خباياها ..
رُدّنا إليك ردًا جميلًا ..
وأعنّا على صدق العودة إلى أنفسنا ..
وطهّر قلوبنا من كل ما يُبعدنا عنك ..
واجعلنا ممن إذا ضلّ وجدك .. وإذا تعب احتمى بك .. وإذا عاد .. عاد إليك ..
فإن الطريق إليك ..
هو الطريق الوحيد الذي .. مهما كان شاقًا .. ينتهي بطمأنينة لا تُوصف .. ونور لا ينطفئ .
أثر لاينسى
جدة
السبت ليلة النصف من ذو القعدة ١٤٤٧
٢ مايو ٢٠٢٦
🌿 عُد إلى نفسك قبل أن تتيه 🌿

