في زحام الحياة .. حيث تتشابك الأصوات وتتصادم الرغبات .. يضيع الإنسان أحيانًا بين “ماذا قالوا؟” و“ماذا فعلوا ؟” حتى ينسى السؤال الأهم : ماذا عني أنا ؟
وهنا تبدأ الحكاية… حكاية النجاة .
ما أجمل أن ينشغل الإنسان بنفسه .. لا انشغال الغافل المنعزل .. بل انشغال الواعي المتأمل .. الذي أدرك أن أعظم ميادين الإصلاح هي داخله .. وأن أقرب طريق إلى الله يبدأ من قلبه. حينها فقط .. يصبح ترك الناس عبادة .. والصمت حكمة .. والانصراف عن الخلق رفعة لا هروبًا .
إن الانشغال بالنفس ليس أنانية .. كما يظنه البعض .. بل هو عين النضج. هو أن تمسك مرآة روحك كل يوم .. تتأمل صدقك .. نيتك .. تقصيرك .. قربك وبعدك .. خشوعك وجفافك… هو أن تكون قاضيًا عادلًا على نفسك .. لا ظالمًا لها بالتجاهل .. ولا قاسيًا عليها بالتجريح .
حين تنشغل بنفسك .. ستكتشف كم كنت مشغولًا بغيرك عبثًا… كم أضعت من عمرك في مراقبة حياة لا تملكها .. ونقد قلوب لا تسكنها .. وتحليل نوايا لا يعلمها إلا الله . ستدرك أن السلام لم يكن بعيدًا .. بل كان مختبئًا خلف قرار بسيط: أن تترك الناس لله .. وتعود إلى نفسك مع الله .
يا لروعة الإنسان حين ينشغل بإصلاح قلبه بدلًا من تتبع عيوب غيره…
حين يسأل نفسه قبل أن يسأل عن الآخرين…
حين يبكي على تقصيره بدل أن يعدد تقصير الناس…
ذلك الإنسان لا يعلو صوته .. لكنه يرتفع قدره .. ولا يكثر جدله .. لكنه يفيض حكمة.
إن في الانشغال بالنفس سكينة لا توصف…
سكينة من سلّم القلوب إلى خالقها .. فلم يعد يحمل هم تفسيرها .. ولا القلق من تغيرها .. ولا الألم من خذلانها .
سكينة من فهم أن البشر يتقلبون .. وأن الثابت الوحيد هو الله .. فربط قلبه بالثابت .. فثبت .
ولأننا بشر .. نخطئ ونضعف .. فإن الانشغال بالنفس يصبح ضرورة نفسية قبل أن يكون فضيلة إيمانية. هو إعادة ترتيب للفوضى الداخلية .. هو احتواء للذات بدل جلدها .. هو فهم عميق لجراح النفس قبل أن تتحول إلى قسوة على الآخرين .
كمعالجة نفسية .. أدرك تمامًا أن أكثر من يتعب هم أولئك الذين يعيشون خارج ذواتهم…
يستنزفون طاقتهم في المقارنة .. في التتبع .. في الترقب .. في القلق مما لا يملكون .
بينما من عاد إلى نفسه .. وعانق ضعفه .. وفهم احتياجاته .. وسار بها إلى الله… هذا هو الذي شُفي .. حتى لو لم يتغير شيء خارجي في حياته .
ويا لها من لحظة فارقة…
حين يختار الإنسان أن يقول :
سأصلح قلبي أولًا .. وسأترك الخلق لخالقهم .
هنا تبدأ الرحلة الحقيقية .
إن ترك الناس لا يعني القطيعة .. بل يعني الطهارة…
طهارة القلب من الغل .. من التتبع .. من الفضول المؤذي .. من التدخل فيما لا يعني.
هو أن تحب الخير للجميع .. لكن دون أن تذوب فيهم… أن تعيش معهم .. لكن لا تعيش بهم .
ومن أعظم ثمرات هذا الطريق .. أنك ستقترب من الله اقترابًا مختلفًا…
اقتراب من عرف أن الله لا ينظر إلى صور الناس .. بل إلى قلبه هو…
اقتراب من شعر برقابة الله عليه .. فانشغل بها عن رقابته للآخرين…
اقتراب من ذاق حلاوة الإخلاص .. فاستغنى عن التصفيق .
وحينها…
سيصبح قلبك أهدأ .. ونظرتك أصفى .. وكلامك أرق .. وحكمك أعدل .
ستحب الناس دون أن تثقل بهم .. وتعذرهم دون أن تبرر كل شيء .. وتدعو لهم دون أن تنتظر منهم شيئًا .
ما أجمل الانشغال بالنفس…
لأنه طريقك إلى الله ..
وطريقك إلى سلامك ..
وطريقك إلى نضجك الحقيقي .
وما أجمل ترك الأنفس…
لأنه إعلان ثقة بأن الله يتولى الجميع ..
وأنك لست مكلفًا إلا بنفسك ..
وأن يوم القيامة لن يُسألك عنهم… بل عنك.
فانشغل بنفسك…
طهّرها .. زكِّها .. قوِّها .. دلّلها بالطاعة .. وداوِها بالقرب من الله…
ودع الناس لله .. فهو أعلم بهم .. وأرحم بهم .. وأعدل فيهم .
وستكتشف يومًا .. وقد امتلأ قلبك نورًا:
أن أجمل حياة .. هي تلك التي عشتها بين نفسك وربك… حيث لا ضجيج .. ولا صراع .. بل سكينة تشبه الجنة في بدايتها .
اللهم اجعلنا ممن شغلهم إصلاح أنفسهم عن عيوب غيرهم ..
وقرّبنا إليك قربًا ينسينا كل ما سواك ..
واكتب لنا أثرًا طيبًا لا ينقطع… يشفع لنا عندك برحمتك يا أرحم الراحمين .
أثر لاينسى
جدة
الخميس ١٢ ذو القعدة ١٤٤٧
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
● ما أجمل الانشغال بالنفس وترك الأنفس 🌿

