ميلادي أم هجري … العمر بنا يجري ✨

gemini generated image dg6uzrdg6uzrdg6u



ليس السؤال الحقيقي :
هل أحتسب عمري بالتقويم الميلادي أم الهجري …
بل: كيف يمضي هذا العمر في داخلي ؟
نحن لا نعيش داخل الأرقام …
نحن نعيش داخل اللحظات …
لكننا ، بطريقة ما ، تعلّمنا أن نختصر حياتنا كلها في رقم يُكتب … ويُقال … وهناك من يُحتفل به .
سنة جديدة …
رقم جديد …
تهنئة جديدة …
لكن … هل نحن الجدد فعلًا ؟
وهنا ..
أفهم اختياري بهدوءٍ لا يحتاج إلى جدل :
أنا مسلمة ..
وفي ديني عيدان عظيمان ..
نفرح بهما لأنهما عبادة ..
ولأن الفرح فيهما جاء كما أراد الله ..
لا كما اعتدناه نحن .
أما ما سواهما من الأعياد ..
فلا أجد قلبي يميل لأن يصنع له احتفالًا يتكرر كل عام ..
ولا أن أُعلّق فرحي بتاريخٍ لم يُجعل له في ديني معنى الاحتفاء ..
ليس لأن الفرح غائب ..
بل لأنني تعلّمت أن أضعه في موضعه الصحيح ..
ولهذا ..
يمر يوم ميلادي كغيره من الأيام ..
هادئًا .. عابرًا .. بلا طقوس ..
لكنه يحمل في داخلي ما هو أصدق من الاحتفال :
وقفة صادقة مع نفسي ..
وسؤال لا يُجامل :
هل اقتربتُ من الله هذا العام ..  أم ابتعدت ؟
لأن العمر ..
ليس مناسبة نُحييها كل عام ..
بل أمانة نُسأل عنها كل يوم ..
يمضي العمر …
بهدوء مخيف أحيانًا …
لا يصدر صوتًا وهو يمر …
ولا يترك إشعارًا يخبرنا أن جزءًا منا قد مضى ولن يعود …
نؤرّخ أعمارنا بدقة …
لكننا لا نؤرّخ كم مرة ضحكنا بصدق …
ولا كم مرة بكينا دون أن يرانا أحد …
ولا كم مرة كنا بحاجة لأن يسندنا أحد … ولم نجد …
العمر لا يمر فقط عبر الأيام …
بل يمر عبرنا نحن …
يأخذ من أرواحنا شيئًا … ويترك فيها شيئًا …
ولهذا …
ليست كل السنوات تُشبه بعضها …
هناك سنوات مرّت كأنها لم تكن …
وأخرى … تركت فينا من العمق ما لا تمحوه الأعوام …
قد تكبر في العمر …
لكنك لا تكبر في الداخل …
وقد تمر عليك سنون … دون أن تنضج … دون أن تتغير … دون أن تقترب خطوة واحدة من نفسك الحقيقية …
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي المؤلم :
هل نحن نعيش … أم فقط نُكمل ؟
ليس كل مرورٍ للحياة حياة …
ولا كل زيادة في العمر زيادة في المعنى …
هناك من يعيش عشرين عامًا … لكنه مليء بالحياة …
وهناك من يعيش ضعف ذلك … لكنه فارغ من الشعور … من الأثر … من الامتداد …
لأن الحياة … لا تُقاس بطولها …
بل بما يُزرع فيها …
بما قدّمناه …
بما تركناه خلفنا …
بما أضفناه إلى قلوب الآخرين … دون أن ننتظر مقابلًا …
العمر الحقيقي …
هو تلك اللحظات التي كنت فيها قريبًا من الله …
مطمئنًا … حتى لو لم يكن كل شيء بخير …
هو تلك اللحظات التي اخترت فيها أن تكون لطيفًا … رغم قسوة ما بداخلك …
أن تكون قويًا … رغم أنك كنت منهكًا …
أن تعطي … وأنت بحاجة …
أن تصبر … وأنت تتألم …
هذه … هي السنوات التي تُحسب …
وهذه … هي الحياة التي تُعاش  …
أما الأرقام  …
فهي مجرد طريقة لتنظيم الوقت …
لا لقياس القيمة …
قد تسألين نفسك يومًا :
كم عمري ؟
لكن السؤال الأصدق سيكون :
كم من هذا العمر كان حيًّا في داخلي ؟
وهنا …
يتغير كل شيء …
لأنك لن تعودي منشغلة بعدد السنوات …
بل بجودة ما فيها …
لن تسألي: كم بقي ؟
بل: ماذا سأفعل بما بقي ؟
لن تخافي من مرور الوقت …
بل من أن يمر دون أثر …
وهذا هو الفارق العميق …
بين من يعيش ليعدّ الأيام …
ومن يعيش ليملأها …
ولهذا …
لا يهم إن كان عمرك يُكتب بالميلادي أو الهجري …
فالعمر في الحالتين … يمضي …
لكن الأهم …
هل يمضي منك … أم يمضي بك ؟
هل يأخذك بعيدًا عن نفسك …
أم يقربك من الله … ثم من المعنى … ومن الأثر الذي لا يزول ؟
لأن الحقيقة التي لا نحب أن نواجهها …
أن العمر لا ينتظر أحدًا …
يمضي …
سواء وعيت به … أو غفلت عنه …
سواء عشته … أو فقط مررت خلاله …
وفي النهاية …
لن يبقى معك رقم …
ولا تاريخ …
ولا احتفال …
سيبقى فقط …
أثرُك .
ذلك الشيء الخفي …
الذي تركته في القلوب …
في الدعوات …
في المواقف التي لم يرك فيها أحد … إلا الله …
وهنا فقط …
نفهم المعنى الحقيقي …
أن العمر لم يكن يومًا عددًا …
بل رسالة …
وأن أجمل ما في الرحلة …
ليس كم استمرت …
بل كيف عُبِرت .

أثر لا يُنسى
جدة | الخميس ٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ
٢٣ أبريل ٢٠٢٦م 🤍

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *