في صباح هذا اليوم .. كنا نستمع إلى حديث الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .. وهو يروي لنا زيارة قام بها بالأمس لإحدى المدارس .. حديث لم يكن عابرًا .. ولم يكن مجرد موقف إداري .. بل كان قصة وعي .. ورسالة إصلاح .. وجرس إنذار هادئ يطرق أبواب القلوب والعقول معًا ..
بدأ حديثه بهدوء .. وهو يتحدث عن نافس .. وعن سؤال بسيط يبدو في ظاهره عاديًا .. لكنه في عمقه يكشف فلسفة القيادة التربوية كلها .. قال إنه كان يؤكد على نقطة مهمة جدًا .. هل مدير المدرسة حين يواجه مشكلة في نافس يعرف السبب الحقيقي .. أم ما زال يبحث بعيدًا عن جوهر المشكلة؟ ..
وفي أثناء زيارته التقى بمدير مدرسة فاضل كريم الخلق .. يحمل هم المدرسة .. ويتحدث بصدق عن انخفاض المستوى .. وكان يكرر فكرة أن المشكلة في البيت وفي الطلاب .. وأن البيئة الأسرية لا تحفز الأبناء على اختبار نافس ..
هنا توقف الدكتور قليلًا .. وكأنه يريد أن يعيد ترتيب الفكرة في عقل المدير .. ثم قال له بهدوء .. لماذا لا يكون السبب في الإدارة أو في المعلمين؟ .. لماذا نضع المشكلة دائمًا في الأطراف البعيدة عنا؟ ..
كانت هذه الجملة بداية التحول .. لأن المنهج العلمي لا يسمح لنا أن نحصر المشكلة في اتجاه واحد .. بل يفرض علينا أن نضع كل الاحتمالات .. وأن ننظر إلى القضية بعين عادلة .. لا بعين مريحة ..
ثم ضرب له مثالًا بسيطًا لكنه عميق جدًا .. قال له .. عندما تحدث مشكلة بين ابنك وابن الجيران .. هل تفترض مباشرة أن ابن الجيران هو المخطئ؟ .. أم تضع احتمال أن يكون ابنك هو المخطئ .. أو أن يكون الاثنان مخطئين؟ ..
المنطق يقول إن الاحتمالات يجب أن تكون مفتوحة ..
لكن حين نكرر اتهام الطرف الآخر في كل مرة .. فإننا لا نحل المشكلة .. بل نهرب منها ..
إذا كنا على راحتنا نتهم الجميع فلن نستفيد شيئًا .. لأن توزيع الاتهامات يمينًا ويسارًا لا يصنع حلًا .. ولا يغير واقعًا .. ولا يبني طالبًا .. بل يؤجل الحقيقة ويؤخر الإصلاح .. ولذلك كان الدكتور يؤكد أن الصدق مع النفس هو بداية التغيير .. وأن القائد الحقيقي لا يبحث عن الأعذار .. بل يبحث عن العلة .. ويعالجها بهدوء ومسؤولية ..
فلو انتقل الجار .. وجاء جار جديد .. وتكررت المشكلة .. ثم جاء جار ثالث ورابع وخامس .. وفي كل مرة نقول إن المشكلة في أبناء الجيران .. سنكتشف في النهاية أننا نملك سبعمائة ألف جار .. والمشكلة ما زالت كما هي .. لأننا لم نمتلك شجاعة النظر إلى الداخل ..
وهنا كانت الرسالة العميقة .. بدل أن ننشغل بمن ليس في أيدينا .. فلننـشغل بما هو في أيدينا .. بدل أن نبحث عن المفقود .. فلنعتنِ بالموجود ..
بدأ المدير يستمع بتركيز أكبر .. لكن قناعته بالمعلمين كانت قوية جدًا .. وكان يثني عليهم ثناءً كبيرًا .. ويرى أنهم بعيدون عن المشكلة ..
فقال له الدكتور بهدوء القائد المربي .. ما رأيك أن نجلس مع بعض المعلمين في حضورك .. وأنت تكون مجرد مستمع محايد .. ثم تحكم بنفسك؟ ..
وافق المدير .. وبدأ الحوار مع المعلمين .. وكان الحوار بسيطًا هادئًا .. لكنه عميق جدًا ..
حيث بدأ الدكتور يناقشهم في الفهم القرائي ومستوياته الخمسة ..
وبيّن لهم أن الفهم القرائي لا يقوم على القراءة السطحية فقط .. بل يمر بمستويات متدرجة من الأضعف إلى الأقوى .. وهي :
المستوى الأول : المستوى الحرفي (المباشر السطحي)
وهو فهم المعنى الظاهر للنص واستخراج المعلومات المباشرة منه ..
المستوى الثاني : المستوى الاستنتاجي
وهو القدرة على استنتاج المعاني غير المباشرة وربط الأفكار ببعضها ..
المستوى الثالث : المستوى النقدي
وهو تحليل النص والحكم عليه وتمييز الأفكار الصحيحة من غيرها ..
المستوى الرابع : المستوى الإبداعي
وهو توليد أفكار جديدة وبناء معانٍ مبتكرة من النص ..
المستوى الخامس : المستوى التذوقي
وهو أرقى المستويات حيث يشعر القارئ بجمال النص وروحه وأسلوبه ومعانيه العميقة ..
وهنا كانت المفاجأة أن كثيرًا من المعلمين لم تكن لديهم صورة واضحة عن هذه المستويات الخمسة رغم أهميتها في بناء مهارات نافس .
وليست هذه المستويات مصطلحات نظرية .. بل مهارات تبنى يومًا بعد يوم داخل الصف .. وبين المعلم وطلابه .. حتى ينمو عقل الطالب ويصبح قادرًا على الفهم والتحليل والتفكير والإبداع والتذوق .
كان المدير صامتًا .. صمتًا ثقيلًا .. صمت من اكتشف الحقيقة فجأة .. صمت من بدأ يرى المشكلة من زاوية جديدة ..
والله إن المدير كان يكلمني عن نافس وكأنه مطعون قلبه بخنجر ..
في تلك اللحظة لم يحتج الدكتور إلى لوم أو نقد أو توبيخ .. لأن الحقيقة حين تظهر بوضوح تكون أقوى من كل الكلمات ..
ثم بدأ يفتح له باب الفهم بهدوء .. قال له إن الوزارة لم تجعل محاسبية مباشرة على طلاب المرحلة الابتدائية في نافس .. وهذه نعمة كبيرة .. لأن الهدف هو التدريب والتأهيل لا العقاب ..
ثم طرح سؤالًا منطقيًا عميقًا .. هل أولياء الأمور يعرفون طبيعة أسئلة نافس؟ ..
الجواب لا ..
هل الأسئلة تأتي من الكتاب مباشرة؟ ..
الجواب لا ..
هل الأم أو الأب يستطيعون تدريب الأبناء على هذه المهارات؟ ..
الجواب لا ..
إذن من المنطقي أن يكون المعلم هو المحور الحقيقي .. لأنه هو المؤهل تربويًا .. وهو الذي يعرف طبيعة الأسئلة .. وهو الذي يستطيع بناء الفهم القرائي ومهارات التفكير العليا عبر السنوات ..
وهنا بدأت الصورة تتضح أكثر ..
نافس ليس مادة تحفظ .. ولا اختبارًا يأتي في أسبوع أو أسبوعين .. بل هو عملية تراكمية طويلة .. تبدأ من الصفوف الأولى .. وتنمو عبر السنوات .. حتى تصل إلى لحظة القياس .
نافس ليس اختبارًا يأتي فجأة في نهاية العام .. بل هو بناء تراكمي يبدأ من السنوات الأولى .. نؤهل طلاب الصف الأول والثاني لاختبار الصف الثالث .. ونؤهل طلاب الصف الرابع والخامس لاختبار الصف السادس .. ونؤهل طلاب الصف الأول المتوسط والثاني المتوسط لاختبار الصف الثالث المتوسط .. حتى يصل الطالب في المرحلة الثانوية وهو يمتلك أدوات الفهم والتفكير .. فيستطيع اجتياز اختبارات القدرات والتحصيل والجامعة بثقة وتمكن .. فالتعليم الحقيقي ليس لحظة اختبار .. بل رحلة إعداد طويلة تبدأ من أول مقعد دراسي وتنتهي بمستقبل يصنعه الطالب بوعي وثقة .
بناء عقل يعرف كيف يفكر .. ويبدع .. ويستنتج .. ويحلل .. هذا هو الجوهر الذي يجعل نافس مرآة صادقة للقدرة التعليمية للمعلم ولإعداد الطالب على حد سواء ..
ثم ضرب الدكتور مثالًا آخر يهز الفكر .. قال .. لو اكتشفنا أن الطلاب ضعفاء في جدول الضرب .. ثم اكتشفنا أن معلم الرياضيات نفسه لا يعرف جدول الضرب جيدًا .. أليست هذه مصيبة ؟ ..
كيف نطلب من الطالب أن يتقن ما لم يتقنه معلمه ؟ ..
وكيف نبحث عن الحل في الخارج ونترك الداخل؟ ..
ثم جاءت الرسالة الأعمق ..
فرق كبير بين طالب يعرف ومتكاسل .. وطالب لا يعرف أصلًا ..
الأول يحتاج دافعية .. والثاني يحتاج تعليمًا حقيقيًا ..
وإذا لم نميز بين الحالتين .. فإننا نعالج الوهم ونترك الحقيقة ..
ثم ختم الدكتور فكرته بمثال بليغ جدًا .. قال .. عندما نقول إن المشكلة في كثرة الطلاب في الفصل .. فلنفرض أن الفصل فيه طالب واحد فقط .. هل المعلم يعرف الاستراتيجيات؟ ..
إذا لم يعرفها مع طالب واحد .. فالمشكلة ليست في العدد .. بل في المعرفة نفسها ..
مثل الميكانيكي الذي يعتذر عن إصلاح مئة سيارة .. ثم نعطيه سيارة واحدة فلا يستطيع إصلاحها .. هنا ندرك أن المشكلة ليست في كثرة السيارات .. بل في غياب المهارة ..
وهنا تشتعل الفكرة في القلب والعقل معًا ..
نافس ليس مشكلة طلاب .. ولا مشكلة أولياء أمور .. ولا مشكلة ظروف .. بل هو مرآة صادقة تكشف عمق الميدان التربوي ..
تكشف مدى وعي القيادة ..
وتكشف مستوى إعداد المعلم ..
وتكشف جودة الممارسة داخل الصف ..
فإذا أردنا نتائج مختلفة .. فعلينا أن نمتلك شجاعة السؤال ..
هل معلمونا يعرفون الفهم القرائي؟ ..
هل يتقنون مهارات التفكير العليا؟ ..
هل نبني المهارات عبر السنوات؟ ..
أم نبحث عن أعذار مريحة؟ ..
لأن الحقيقة الواضحة التي لا يمكن تجاهلها .. أن التغيير يبدأ من الداخل .. وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين نعترف بالمشكلة .. لا حين نهرب منها ..
وفي النهاية .. لم يكن حديث الدكتور مجرد قصة زيارة مدرسية .. بل كان رسالة رحيمة بالميدان التربوي كله .. رسالة تقول بهدوء صادق ..
ركزوا على ما تملكون ..
طوّروا من بأيديكم ..
ابنوا المعلم ..
وسيبني المعلم الطالب ..
حينها فقط .. لن يكون نافس اختبارًا مقلقًا .. بل سيكون نتيجة طبيعية لعمل تربوي عميق .. يبدأ من الصف .. وينتهي بالنجاح .. ويصنع جيلاً يفهم .. ويفكر .. ويبدع .. ويصنع المستقبل بثقة وتميز .
أثر لاينسى
جدة
الخميس ١٤ شوال ١٤٤٧
٢ أبريل ٢٠٢٦

