🍎📚 أكل الحرام .. حين يفقد المعلم الأمل 😔✏️

screenshot ٢٠٢٦٠٤٠١ ٢٣٠٣٠٤ gallery

مع بزوغ الفجر .. حين تتناثر خيوط النور الأولى على الأرصفة والمروج .. وتعلن زقزقة العصافير بداية يوم جديد .. كان المعلمون والطلاب يتجهون إلى مدارسهم .. كل واحد يحمل أمله وحقائبه .. وقلبه مفعم بالتفاؤل .. وعقله متوكل على الله .. ويده تمتد لاستلام العلم أو منحه بكل صدق وإخلاص .. الصباح هنا ليس مجرد ساعة أو لحظة .. بل لوحة من الضوء والسكينة والحياة .. حيث تتحرك الأرواح بين الواجب والشغف .. ويشع التفاؤل في كل قلب .. في كل خطوة .. في كل ابتسامة ..
في هذا الصباح .. وقفت قصة إنسانية تنبض بالرحمة والإرشاد .. حكاية لمعلم فقد الأمل في قدراته .. شعر بالذنب وكأن تدريسَه أكلٌ للحرام .. وتهيأ لترك التدريس والانصراف للعمل الإداري .. متجاهلًا كل ما قد يخسره من مستقبل وظيفي ونفسي واجتماعي .. دون أن يدرك حجم أثر قراره على نفسه وأسرة مستقبله ..
هنا جاء الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .. بحضوره الملهم .. وبصيرته النابغة .. ليضيء له الطريق .. ويعيد إليه شعور الأمل والثقة والكرامة الإنسانية .. دون قسوة .. ودون لوم .. بل بالاحترام .. والتوجيه .. والإلهام .. والفن في التعامل .. وكأنه يقول له .. كلنا قادرون على التعلم والنمو .. وكلنا نستحق فرصة جديدة للحياة والنجاح ..
مع توالي السنوات في العمل الإشرافي .. ترسخت لدى الدكتور مسفر قناعة عميقة بأن الزيارة الصفية هي أضعف الأدوات الإشرافية وأقلها تأثيرًا .. وازداد إيمانه بهذه القناعة مع كل زيارة يقوم بها لأي معلم .. فقد وجد أن عملية التقييم الروتيني من خلال الاستمارات الجامدة لا تحقق المعنى الأسمى للإشراف التربوي المؤثر .. فالتغيير والتطوير الحقيقي للعملية الإشرافية أعمق بكثير من هذا الفهم السطحي الخاطف .. فلابد أن تبدأ أولى خطواته بعلاقة قوية بين المشرف ومدير المدرسة .. علاقة تقوم على القرب النفسي .. شعور المدير بالأمن والارتياح .. والرغبة الجادة من المشرف في تقديم خدمات نوعية للمدرسة .. من دون المساس بأهلية المدير وقدرته على القيادة ..
في أحد الأيام .. كان الدكتور مسفر في زيارة مدرسة يقودها زميله من أيام الدراسة .. والذي سبقه في العمل الإشرافي بسنوات .. ومازال يذكر جيدًا زيارته حين كان معلمًا .

بعد سنوات .. تزامل معه في العمل الإشرافي .. هو في تخصص الصفوف الأولية .. وزميله في تخصص التربية الإسلامية .. وكان نعم الزميل خلقًا ورقيًا وتعاملاً ..
وفي إحدى السنوات .. قدم هذا الزميل اعتذاره عن العمل الإشرافي وأبدى رغبته في العمل كمدير مدرسة .. لم يكن من السهل التفريط فيه .. لكنه كان مصممًا على قراره .. فتم تلبية طلبه .. دخل المشرف عمله الجديد بحماس شديد .. وكان للدكتور مسفر زيارة المدرسة كمشرف مادة .. فكان اللقاء الأول مفعمًا بذكريات الأيام الجميلة التي جمعت بينهما ..
همس زميله أنه يواجه مشكلة حقيقية مع أحد معلمي الصف الثاني .. فقال الدكتور مسفر .. “أنت كنت زعيم حل المشكلات وموطن ثقة المسؤولين .. فما المشكلة؟” .. فأجابه .. “بجد .. لدي مشكلة حقيقية ومحيرة وأحتاج مساعدتك” .. شعرت لغة جسده بأن الموقف يثقل قلبه ويحيره .. فبدأ الدكتور مسفر يتعامل مع الموقف بجدية وحكمة ورحمة ..
أوضح المعلم أنه يريد ترك التدريس والتحويل للعمل الإداري ككاتب .. وعجز عن إقناعه مع أنه من خيرة المعلمين وأكثرهم انضباطًا ومحبة من الجميع .. حاول الدكتور مسفر جمع أكبر قدر من المعلومات .. لكن المدير لم يشِر إلى مكمن الخلل .. مما صعّب تحديد المشكلة بدقة .. لكنه فهم أن المعلم يريد ترك التدريس .. ظهر له ضيق المدير من الموقف .. ومدى تعاطفه مع المعلم .. ومعرفة حجم الخسائر التي ستضر بالمعلم حال تحوله من التدريس .. وأقلها الضرر المادي الذي قد يفقده (ثلث راتبه تقريبًا) .. فضلاً عن الضرر النفسي والاجتماعي ..
عند دخوله الصف .. وجد الدكتور المعلم الصغير .. هادئًا في هيئته .. لكن قلبه مثقل بالحيرة والقلق .. والصف يعج بالفوضى .. والأطفال يتقافزون دون رادع .. كأنهم يعكسون حالة المعلم الداخلية .. همس المعلم .. “أشعر أن تدريسي أكل للحرام .. تعبت يا أستاذ .. تعبت” .. فابتسم الدكتور مسفر .. وعرف أن الحل لن يكون بالقوانين ولا بالاستمارات الجامدة .. بل بالاقتراب من قلب المعلم .. وبالعمل معه يدًا بيد ..
لاحظ الدكتور مسفر أن الصف يعج بالفوضى ولم يُسمع من المعلم أي توجيه بالهدوء .. قال المعلم .. “أنا عاجز عن إدارة الصف” .. فاقترح الدكتور مسفر أن يكمل الحوار بعد الحصة ..
وبين حين وآخر .. كان المعلم يرسل للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني نظرة خفية .. كأنها سؤال صامت : “ما رأيك .. ألا يستحق مثلي أن يكون بعيدًا عن التدريس ؟” ..
تلك النظرة حملت كل إحباطه وتردده .. وكأن قلبه يحاور عقله .. بينما كان على وشك اتخاذ قرار قد يغير مسار حياته المهنية
.

وأثناء حديثه الصامت وعيناه المتعبتان كشف المعلم عن جانب آخر من ألمه عائلته محدودة الدخل وإذا ترك التدريس فسيكون لذلك أثر مباشر على مستقبله المادي والاجتماعي كانت المسؤولية ثقيلة على قلبه والشعور بالذنب يثقل روحه لأنه لم يكن يستطيع إدارة الصف كما يطمح كل هذه الضغوط جعلت قراره بالابتعاد عن التدريس يبدو كخيانة لمهنته وكأنه يأخذ شيئًا “حرامًا” من حياته ومستقبل طلابه .

بدأت الحصة .. والطلاب يتقافزون هنا وهناك .. والأغرب أن المعلم لا يشير لأي أحد بالسكوت أو الانتباه .. خلال دقائق معدودة أدرك حجم المشكلة وأن الطلاب لا يمكن أن يتعلموا في هذا الجو الفوضوي ..

أشار الدكتور مسفر للمعلم أن يتوقف وقال .. “مارأيك أن أطبق بعض استراتيجيات إدارة الصف؟” .. رحب المعلم بكل سرور .. استأذن الدكتور مسفر أن يتولى الصف لعشر دقائق .. وبدأ يشير للطلاب بالسكوت .. الفوضى استمرت قليلًا .. فرفع صوته توكيديًا .. فخاف الأطفال وعاد كل واحد لمكانه .. قال لهم .. “لا أريد أن أسمع صوتًا” .. وطلب من الجميع إغماض عيونهم لمدة خمس دقائق ..ثم اتجه إلى المعلم وقال له عندما نعزل المثير تتوقف الاستجابة .. نظرات السعادة ارتسمت على وجه المعلم .. كأنه لأول مرة يجد هذا الهدوء .. وهنا كان الدكتور مسفر يستخدم أسلوبًا تربويًا من أساليب تعديل السلوك يُعرف باسم (التقييد الجسدي) .. وهو أحد الاستراتيجيات التربوية التي تساعد على تهدئة البيئة الصفية .. وضبط الحركة الزائدة .. وإعادة تركيز الطلاب بطريقة آمنة ومنظمة .. دون إيذاء أو ضغط نفسي .. بل بهدف إعادة التوازن والانتباه داخل الصف .
قال له الآن سنذهب للاستراتيجية الثانية فطلب من الطلاب أن يفتحوا أعينهم بعد أن شكرهم على استجابتهم ثم قال هذه المرة أنا من سيغلق عينيه ولا أريد أن أسمع صوتًا وطبق الفكرة وعندما سمع حركة في زاوية الصف قال اسمع صوتًا هنا وأشار بيده للمكان فغاب الصوت .
بعد تطبيق الاستراتيجيات أكثر من مرة .. شجع الدكتور المعلم على تجربة نفس الاستراتيجيات بنفسه .. فكان متحمسًا .. رفع صوته بثقة وحزم .. وكان أداؤه رائعًا .. وصار يطبق ما شاهده بطريقة احترافية .. قدم درسًا متميزًا كشف تفوقه في الجانب المعرفي .. بعد انتهاء الدرس .. سأله الدكتور مسفر .. “هل ما زلت مصممًا على ترك التدريس؟” .. فأجاب المعلم .. “لن أترك التدريس بإذن الله” ..
بدأت رحلة التغيير بخطوات بسيطة لكنها عميقة .. ثم علم المعلم كيف يكون جسده صريحًا .. صوته واضحًا .. حضوره حازمًا .. وما كان أجمل من تلك اللحظة حين رأى وجهه يضيء بالسعادة والفخر .. حين اكتشف أن قدراته لم تذهب .. وأنه لا يزال قادرًا على تعليم الأطفال بحب وإبداع ..
بعد الدرس .. عاد المعلم إلى واقعه الجديد .. لكن هذه المرة بقلب مليء بالأمل .. وعقل متيقظ .. وروح متعطشة للعلم .. لم يعد يفكر بالهروب .. بل بدأ يرى نفسه شخصًا مؤثرًا في حياة طلابه .. ومعلمًا يستحق مكانته .. وراشدًا على طريق النجاح .. وهنا تكمن قيمة الدرس .. أن الإشراف التربوي لا يكون بمجرد تقييم .. بل بالتقارب .. والفهم .. والرحمة .. والقدرة على إحياء الإيمان بالذات .. وإعادة الروح إلى من فقد الأمل .

ثم ذهب الدكتور مع المعلم إلى مدير المدرسة .. وقال له بهدوء .. كيف تخبرني أن الأستاذ يرغب في ترك التدريس .. ثم التفت إلى المعلم وسأله أمامه .. هل ترغب في ترك التدريس فعلًا .. ؟ فارتبك قليلًا ثم قال بصوت صادق لا !

استغرب المدير ثم نظر إلى الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بدهشة .. وقال له .. “ماذا فعلت معه؟” .. فابتسم الدكتور  وقال .. “وهل تظن أنك الوحيد الذي يجيد حل المشكلات ؟” .. فضحك المدير ضحكة صافية .. شعرمن خلالها الدكتور أن الثقة والدهشة امتزجا في عينيه .. فتابع بهدوء .. “يا عزيزي .. لم أقم بسحر .. لم أرش طحينًا على رأسه .. لم أستخدم أي حيلة غريبة ..” .. ابتسم أكثر وطلب منه أن يكمل .. فأخبره .. “المعلم كان يعاني من مشكلة حقيقية في إدارة الصف .. وكانت الفوضى تعم الحجرة .. قمت بتدريبه على بعض الاستراتيجيات الخفيفة .. خطوات بسيطة لكنها عميقة .. استوعبها .. وطبقها باحترافية .. وما حدث بعد ذلك كان نتيجة فهمه لقدراته الحقيقية .. وإدراكه أنه قادر على قيادة الصف بالحب .. والثقة .. والانضباط” ..
ابتسم المدير مرة أخرى وقال .. “حقًا؟ كل هذا في خطوات بسيطة؟” .. فقال الدكتور .. “نعم .. هذه هي الحكاية كلها .. الإلهام الحقيقي لا يحتاج إلى تعقيد .. بل إلى قلب صادق .. وعقل يقظ .. وروح متفهمة” .

هذه القصة ليست مجرد موقف إداري أو تربوي .. بل هي رسالة لكل معلم ومعلمة .. لكل قائد وقائدة .. لكل أب وأم .. ولكل مسؤول .. ولكل إنسان يشعر باليأس أو الإحباط في بداية حياته أو منتصفها .. كم جميل أن نكون شمعة تضيء لغيرنا .. أن نمد يد العون لمن ظن أن كل الطرق أغلقت .. أن نحمي حياة بشر من التدهور المادي والمعنوي .. وأن نزرع الأمل والطمأنينة حيث كان اليأس سيد الموقف ..
إنها دعوة للتأمل العميق في أثر القرارات الصغيرة على حياة الإنسان .. ودعوة لتقدير الرحمة والفهم والحنكة في العمل التربوي .. ودعوة لكل منا أن يكون ناصحًا .. مرشدًا .. داعمًا .. ملهمًا .. بأن نتصرف بحكمة وعقل وحنكة .. كما علمنا رسولنا الكريم ﷺ .. فالراحمون يُرحمون .. والمتفهمون يُنقذون من هموم الحياة .. ومن لم يجد من يرشده .. قد يضل ويعاني .
هذه القصة .. هذه اللحظة الإنسانية العميقة .. تترك في القلب أثرًا لا يُنسى .. تزرع في الروح ضوءًا دائمًا .. وتُظهر أن الإيمان بالقدرة على التغيير .. والرحمة .. والحكمة .. والاحتواء .. والإرشاد .. ليس مجرد كلمات .. بل حياة تُعاش .. وعطاء يُقدَّم .. ونور يُنشر .
في النهاية .. كلنا نحتاج إلى من يفتح لنا الطريق حين نغلق أمامنا كل الأبواب .. وكلنا قادرون على أن نكون هذا الضوء للآخرين .. لنحتفي بالقيم .. وننقذ الأرواح .. ونزرع الأمل .. وننير الدروب .. ونحقق رسالة التربية الحقيقية .. رسالة الحب والرحمة والإلهام والنجاح .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 🍃


حرصًا على الأمانة الأدبية ونسبة الفضل لأهله .. ولمن أراد أن يقرأ الموقف كما رواه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني كاملًا دون تغيير أو إعادة صياغة .. ومن يحب أن يقترب من روح القصة ويطالع تفاصيلها من منبعها الأول .. ويعيش الحكاية كما خرجت من قلب صاحبها حرفًا وروحًا .. نضع للقارئ الكريم هنا رابط النص الأصلي الكامل للاطلاع على الرواية كما وردت من مصدرهاالأول

أثر لاينسى
جدة
ليلة الخميس ١٤ شوال ١٤٤٧
٢ ابريل
٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *