✒️روائع الرافعي ✒️

img 20251117 wa0011

ثم تحاول الفرار من روحٍ تملّكت روحَك .. فتجدُ أنك لا تفرّ منها إلا إليها .. وأدركتَ أن وصلَ الأرواح لا يُقطع .. بل يزدادُ تَجمُّعًا كلما هممتَ بتفريقه .. (الرافعي )

قرأت هذا الكلام الرائع للكاتب الكبير مصطفى صادق الرافعي .. ووجدت فيه ما يلامس أعماق الروح ويوقظ شعورًا دفينًا .. كلمات بسيطة .. لكنها صادقة وعميقة .. جعلتني أتوقف لحظة .. أتمعّن .. وأتساءل عن صلة الأرواح .. وعن السر الذي يجعلنا ننجذب إلى بعضنا كما ينجذب القلب إلى نور الفجر ..

ومن هنا انطلقت أفكاري .. وكتبت ما يلي .. مستكمِلة أثر هذه الروح الرافعية في نفسي .. محاولة أن أشارككم رؤاي ومشاعري .. وأغوص معكم في معنى الاتصال الحقيقي بين الأرواح .. بصدق وإحساس .. وبعين تتأمل ما حولها بعُمق ووعي ..


هناك علاقاتٌ خُلقت لتكون من صلب الفطرة .. تُلازمك كنبضة قلب .. وتتنفّس فيك كما يتنفس الصبحُ في أكمام الضوء .. إنّها الروابط التي لا تَدينُ للجسد .. ولا تنحني لسطوة الزمن .. ولا تتغيّر بتغيّر الأيام .. لأن أصلها من نور .. والنور لا يذبل .. بل يتجدّد كلما حاولتَ إطفاءه ..

ولقد تعلّمتُ .. وأنا أغوص في أعماق وجداني .. وأتلمس ما فيها من نبضات وارتباطات .. أنّ الهروب من قوة الارتباط إنما هو هروبٌ إلى أعمق نقطة فيه ..
فكلما ضاقت بك نفسك .. وسعَك المعنى .. وكلما أردتَ نسيان الوصل .. عضّك الشوق .. وكلما دفعتَ الروح بعيدًا .. عادت إليك أصفى .. كأنها جاءت من سَنا الفجر ..

إنّ الأرواح التي يجمعها الله .. لا تفرّقها محاولة بشر .. ولا اجتهاد عقل .. ولا خشونة واقع .. لأنها تلتقي عند بابٍ واحد ..
باب القدَر الذي لا يخطئ .. ولا يُمضي إلا ما يصلح لك .. وإن جهلت الحكمة أول الطريق ..

ولعل أجمل ما في هذه الروابط .. أنها تُهذّبك .. تعلّمك أن الإنسان لا يُقاس بما يملك .. بل بما يُؤثّر .. وما يتركه في الأرواح من بصمة لا تُمحى .. وتذكّرك أن القرب الحقيقي ليس قرب الجسد .. بل قرب الفكرة .. قرب الدعاء .. قرب النية الطيبة التي تُحلّق في سماء الله قبل أن تلامس قلب إنسان ..

وحين تتأمل هذا العمق .. تدرك أن الله حين يمنحك شخصًا ترتاح له الروح .. إنما يمنحك ظلًّا من رحمته .. يمنحك ما يُعيد ترتيبك .. ويُعيد إليك إيمانك بأن العالم ما زال بخير .. وأن الطريق مهما اشتدّ ظلامه .. يشرق بنور الأرواح الصادقة ..

وما الكتابة عن الروح إلا محاولة لتهذيب الفكرة .. وحفظ الأثر .. وإعلان الامتنان .. فالكاتب الحقيقي .. كما يعلّمنا الرافعي .. لا يصف العالم كما يراه .. بل كما يستشعره .. يكتب بميزان الوعي .. ويحرص على كل كلمة .. كأنها أمانة ستحاسب عليها أمام الله ..

إنّ وصل الروح .. حين يكون من الله .. يصبح أعظم من أن يُفهم بالعقل وحده .. يُفهم بالطمأنينة .. بالسكينة التي تُخيّم على القلب بلا سبب .. وباليقين الذي يقول لك ..
هذا من الله .. فلا تخف ..

ولذلك .. كلما حاولتَ أن تفكّ هذا الوصل .. زاد التحامًا .. وكلما بعُدتَ .. اقترب .. وكلما أدرْت ظهرك .. سمعت همسًا يقول ..
إنما الأرواح جنودٌ مجنّدة .. ما تعارف منها ائتلف ..

وهكذا ..
لا نُدرك الحقيقة إلا عندما نهرب .. ولا نفهم الحبّ إلا حين نخسره .. ولا نستوعب النعمة إلا بعد أن تُنتزع .. ولا نرى نعومة الوصل إلا بعد أن حاولنا تمزيقه ..

ولعل أجمل ما في الروح .. أنها تعرف طريقها ..
تعرف مَن يشبهها .. ومَن يسمعها بلا كلام .. ومَن يسندها بلا مطالبة ..
تعرف .. وتعود .. وإن طال السفر ..

بقلم اثر لاينسى .. جدة .. عروس البحر .. صباح الثلاثاء ٢٧جمادى الاولى ١٤٤٧
١٨ نوفمبر ٢٠٢٥
س ٥:١٣ صباحا مع بزوغ الفجر الانيق ..

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *