🕊️ العمل لا يملك عمرك ⏳

screenshot ٢٠٢٦٠٩٠١ ١١٥٤٣١ gallery


ثمة فكرة صغيرة قد تغيّر علاقتك كلها بعملك ..
وربما تعيد إليك شيئًا فقدته منذ زمن دون أن تنتبه:
أنت مسؤول عن عملك .. لكنك لست عبدًا له .
هذه المسافة الدقيقة بين المسؤولية والعبودية ..
هي التي تجعل الإنسان يعمل بإخلاص دون أن يذوب ..
ويعطي دون أن يستنزف ..
وينجح دون أن ينتظر من كل أحد أن يصفق له .
في حديث عميق عن المبادرات والعمل والمسؤولية ..
توقف الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني عند شيء يبدو للوهلة الأولى عاديًا ..
لكنه في الحقيقة يمس حياة أعداد هائلة من الناس:
ذلك الإنسان الذي يعمل كثيرًا ..
ثم يقضي سنوات يتباكى لأن أحدًا لم يلتفت إلى عمله ..
أو لأن مبادرته لم تجد التقدير الذي كان ينتظره ..
أو لأن غيره نسب شيئًا من جهده إلى نفسه .
وكان السؤال الذي يلمع خلف حديثه:
لماذا تجعل اعتراف الآخرين شرطًا لرضاك عن عملك ؟
إنها مسألة تستحق أن نجلس معها قليلًا .
فقد يعمل إنسان لسنوات ..
ويغادر كل يوم متأخرًا ..
ويحمل أعماله إلى بيته ..
ويقتطع من نومه ..
ومن أسرته ..
ومن صحته ..
ثم يروي حكايته باعتزاز:
«أنا أبقى في المدرسة حتى العاشرة» ..
«أنا لا أخرج حتى أنهي كل شيء» ..
«أنا أعمل ثلاثة أرباع اليوم» .
وقد يظن أن كثرة الساعات شهادة إخلاص .
لكن الدكتور مسفر يقلب السؤال بهدوء:
من طلب منك ذلك؟
وهنا تتغير الصورة كلها .
فالعمل له حق ..
نعم  .
والإخلاص له مكانه الذي لا ينبغي أن يُمس ..
والأمانة ليست ساعاتٍ تُعدّ على الساعة ..
وإنما ضميرٌ حاضر حين يؤدي الإنسان ما اؤتمن عليه  .
لكن شيئًا آخر يجب ألا نخلطه بالإخلاص:
أن تعطي العمل ما يحتاجه ..
ثم تعطي نفسك وأهلك وحياتك ما يحتاجونه أيضًا .
ليس من الإخلاص أن تصنع من تقصيرك في إدارة الوقت بطولة ..
ثم تطلب من الآخرين أن يصفقوا لك لأنك بقيت بعد انتهاء الوقت .
وليس من الحكمة أن تنجز ما طُلب منك في أربع ساعات ..
ثم تقضي أربعًا أخرى في المكان نفسه ..
لأنك أقنعت نفسك أن البقاء الطويل دليل على التفاني .
لو كانت المؤسسة تحتاج إلى وقت إضافي ..
فهناك وقت إضافي له نظامه وأجره وترتيبه .
أما أن يتحول سوء تنظيم الإنسان لوقته إلى عبء دائم يحمله إلى بيته ..
فهذه ليست مشكلة المؤسسة .
هذه مشكلته هو .
وهذه الجملة ..
على بساطتها ..
تحمل شيئًا مؤلمًا من الصدق.
كم مرة حملنا إلى البيت ما كان ينبغي أن يبقى في المكتب ؟
وكم مرة جلسنا مع أبنائنا بأجسادنا ..
بينما كانت عقولنا لا تزال عالقة في بريد إلكتروني ..
أو اجتماع ..
أو ملف ..
أو مشكلة مدرسية ؟
وكم مرة سرقنا من أعين أطفالنا تلك النظرة التي لن تعود ..
ثم قلنا لأنفسنا:
«أنا أفعل هذا من أجلهم» ؟
ربما يكون بعض ما نفعله من أجلهم فعلًا  .
لكنهم لا يحتاجون فقط إلى والدٍ يعمل من أجلهم  .
يحتاجون إلى والدٍ يكون معهم  .
والعمل الذي يأخذ منك كل شيء ..
حتى لا يبقى منك شيء لمن تحب ..
قد يكون عملًا كثيرًا ..
لكنه ليس بالضرورة حياةً جيدة  .
ومن هنا يصل حديث الدكتور مسفر إلى المبادرات  .
كم من مبادرة وُلدت في عقل إنسان ..
وسهر عليها ليالي ..
وأنفق عليها من ماله ..
وأرهق نفسه فيها ..
ثم انتهت داخل كرتونة .
لا أحد قرأها  
لا أحد سأل عنها  .
لا أحد عرف صاحبها .
وبقي صاحبها سنوات يقول:
«أنا عملت ..
وتعبت ..
ولم يقدّروني»  .
لكن ثمة زاوية أخرى أكثر نضجًا:
ماذا لو صنعت عملًا تستطيع أن تتحمل مسؤوليته كاملة؟
عملًا إذا نجح ..
عرفت لماذا نجح  .
وإذا أخفق ..
عرفت أين أخفقت  .
عملًا يحمل اسم فكرتك ..
ويعبّر عن قدرتك ..
ويمكنك أن تطوره وتعيد بناءه ..
بدل أن يكون جهدًا ضخمًا موزعًا بين أيدٍ كثيرة ..
حتى تضيع المسؤولية بين الجميع  .
وهنا لا يدعو الدكتور مسفر إلى الأنانية ..
بل إلى شيء أكثر دقة:
إلى وضوح المسؤولية  .
حين يكون العمل لك ..
يصبح نجاحه نجاحك ..
وفشله معلومة لك  .
لا تحتاج إلى اختراع الأعذار .
لا تستطيع أن تقول:
الوزارة أوقفتني ..
والمشرفة منعتني ..
والزميل قصّر ..
والمديرة لم تساعدني ..
والمركز لم يفهمني  .
قد يساعدك الآخرون ..
وهذا جميل  .
لكن الأصل أن تعرف أين تبدأ مسؤوليتك ..
وأين تنتهي مسؤولية غيرك  .
ولهذا كانت قصة الكتاب مثالًا بالغ الدلالة  .
حين يكتب الإنسان كتابًا ..
فالأمر واضح .
هذا كتابه  .
اجتهد فيه ..
وأخطأ فيه ..
وأصاب ..
وطوّر ..
ونشر  .
إن نجح ..
عرف أن عليه أن يكمل  .
وإن لم ينجح ..
عرف أن عليه أن يتعلم  .
أما العمل المشترك أحيانًا ..
فقد يصبح أشبه بقارب فيه عدة مجاديف ..
لكن لا أحد يعرف من الذي كان ينبغي أن يجدّف حين توقفت الرحلة .
والإنسان الناضج لا يبحث فقط عن عمل عظيم  .
يبحث عن عمل واضح المسؤولية ..
واضح الأثر ..
واضح الغاية
  .

ثم تأتي القضية الأكثر حساسية:
التقدير  ..
نحن نحب أن يُقال لنا:
أحسنت  ..
نحب أن يُرى تعبنا  ..
نحب أن يعرف الآخرون أننا لم نكن عابرين  ..
وهذا شعور بشري لا يحتاج إلى إنكار  ..
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح تقدير الآخرين هو الوقود الوحيد الذي يجعلنا نستمر  ..
هنا يصبح الإنسان أسيرًا لنظرة الناس  ..
إن مدحوه ارتفع  ..
وإن نسوه انكسر  ..
إن ذكروا مبادرته ابتسم  ..
وإن نسبوها لغيره أمضى سنوات يروي قصة مظلمته  .
والدكتور مسفر يضع إصبعه على الجرح:
**أدِّ عملك حقه ..
ثم أغلق بابه  .
هذه العبارة تبدو سهلة ..
لكنها من أصعب المهارات في الحياة  .
أن تعمل بإخلاص ..
ثم تعرف كيف تغادر  .
أن تعطي العمل حقه ..
ثم تقول:
سلام عليكم  .
أن تخرج من إدارة التعليم ..
أو المدرسة ..
أو المكتب ..
أو المؤسسة ..
وقلبك خفيف   .
لا تحمل معك قائمة حسابات:
أنا فعلت
أنا تعبت
أنا بقيت
أنا اقترحت
أنا سَهرت
أنا أنجزت  
لماذا لم يشكروني ؟
لماذا لم يذكروني ؟
لماذا لم يعرفوا ؟
كأن الإنسان لا يستطيع أن يضع نهاية للعمل ..
إلا بعد أن يحصل على شهادة من الجميع بأنه كان عظيمًا  ..
لكن ماذا لو لم يفعلوا ؟
ماذا لو خرجت ذات يوم ولم يصفق لك أحد ؟
ماذا لو لم يعرفوا كم ليلة سهرت ؟
ماذا لو لم يدركوا حجم التعب الذي بذلته ؟
هل ينهار معنى ما فعلت ؟
لا  .
إذا كان عملك صالحًا ..
فقد أدى معناه  ..
وإذا كان نافعًا ..
فقد ترك أثره  ..
وإذا كان خالصًا لله ..
فلن يضيع  ..
أما اعتراف الناس ..
فجميل حين يأتي ..
لكنه ليس ملكًا لك  ..
ولا يمكنك أن تجعل قلبك معلقًا بشيء لا تملكه  ..
ولعل أجمل ما في الفكرة أن الدكتور مسفر لا يدعو إلى ترك العمل ..
ولا إلى البرود ..
ولا إلى أداء الحد الأدنى بلا روح  ..
على العكس تمامًا  ..
هو يذكّرنا بأن الإخلاص هو الأصل  ..
لكن الإخلاص لا يعني أن تضيف إلى العمل ما لم يُطلب منك ..
ثم تغضب لأن أحدًا لم يشكرك على ما اخترت أنت أن تفعله  ..
لا يعني أن تصنع نجاحًا فخمًا ..
بينما المطلوب منك أداء محدد  ..
ولا يعني أن تحمل المؤسسة على كتفيك ..
ثم تتهمها لاحقًا بأنها لم تحملك  ..
هناك فرق شاسع بين:
**أن تتقن ما عليك ..
وأن تُرهق نفسك فيما ليس عليك  ..
الأول أمانة  ..
والثاني قد يكون سوء تقدير  ..
ولهذا تصبح الحرية الحقيقية في العمل أن تعرف المطلوب منك بدقة  ..
أن تعرف ما الذي يجب أن تنجزه   ..
وما الذي تستطيع أن تضيفه  ..
وما الذي ليس مطلوبًا منك أصلًا  ..
ثم تفعل ذلك بإحسان  ..
وبعدها تعود إلى حياتك  ..
إلى أبنائك  ..
إلى أسرتك   ..
إلى كتابك  ..
إلى فكرتك  ..
إلى أصدقائك  ..
إلى نفسك التي ربما أهملتها سنوات ..
وأنت تظن أنك كنت تبني مستقبلك  ..
فالإنسان ليس موظفًا طوال اليوم  ..
وليس معلمًا طوال اليوم  ..
وليس قائدًا طوال اليوم  ..
ولا مدربًا طوال اليوم  ..
هو إنسان قبل كل هذه الأسماء ..
وبعدها  ..
وله حياة لا ينبغي أن تبتلعها وظيفة  ..
ومن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان لنفسه أن يبني شيئًا لا علاقة له بكرسيه الوظيفي  ..
فقد تنتهي الوظيفة ..
لكن كتابك يبقى  ..
قد يتغير منصبك ..
لكن فكرتك تبقى  ..
قد تغلق المؤسسة أبوابها ..
لكن أثرًا صنعته بيدك قد يفتح أبوابًا أخرى  .
وهنا يظهر المعنى العميق للمبادرات الشخصية ..
ليس المقصود أن تعمل أكثر.
المقصود أن تعمل **أذكى ..
وأوضح ..
وأبقى  ..
أن تصنع شيئًا تستطيع أن تقول عنه:
هذا أنا  ..
هذه فكرتي  ..
هذا جهدي  ..
وهذا أثره  ..
فإن نجح ..
حمدت الله  .
وإن لم ينجح ..
تعلمت  .
لا شماتة في الفشل ..
ولا غرور في النجاح  .
ولا حاجة إلى تعليق القلب باعتراف الآخرين  ..
ومن هنا يمكن أن نفهم أيضًا لماذا قد يختلف الناس في نظرتهم إلى المبادرات  ..
قد تحمل عشرات الكراتين إلى جهة كبيرة ..
ثم لا تجد من يملك وقتًا لفتح واحدة منها  ..
ليس بالضرورة لأنهم سيئون  ..
ربما لأن لديهم مئات الملفات ..
وآلاف الأعمال ..
وضيقًا لا تراه أنت  ..
وهذه نقطة ناضجة جدًا:
لا تفسر كل تجاهل بأنه احتقار  ..
أحيانًا لا يملك الآخرون الوقت  ..
وأحيانًا لا يعرفون قيمة ما صنعت  ..
وأحيانًا أنت نفسك لم تعرف كيف تقدم فكرتك  ..
وأحيانًا ..
ببساطة ..
لم تكن فكرتك ناضجة بما يكفي  ..
وفي كل الحالات ..
لا تجعل حياتك رهينة للتفسير  ..
خذ ما تستطيع أن تتعلمه ..
ثم امضِ  ..
فالعمل الحقيقي لا يحتاج أن يقضي صاحبه عمره واقفًا عند بابه يسأل:
هل رأيتموني ؟
هل عرفتم ماذا فعلت ؟
هل شكرتموني ؟
إن كان عملك جيدًا ..
فسوف يجد طريقه بطريقة أو بأخرى  ..
وإن لم يجد طريقه ..
فربما عليك أن تسأل سؤالًا أشجع:
هل كان جيدًا فعلًا ؟
وهذا السؤال وحده قد ينقذ الإنسان من سنوات من الوهم  ..
ربما لم يكن الآخرون ظالمين  ..
ربما كان العمل يحتاج إلى تطوير  ..
ربما كنت تعمل كثيرًا في الاتجاه الخطأ ..
ربما صنعت جبلًا من الجهد فوق طريق لا يؤدي إلى شيء
  .

وربما كانت مشكلتك أنك اعتدت أن تقيس عطائك بعدد الساعات ..
بدل أن تقيسه بالأثر  .
وهنا يصبح العمل أكثر جمالًا حين يتحول من إثبات الذات إلى بناء الذات  .
لا أريد أن أقول:
«انظروا كم عملت» .
بل:
«انظروا ماذا صنعت»  .
لا:
«كم ساعة بقيت ؟»
بل:
«ماذا تغير بسبب وجودي ؟»
لا:
«لماذا لم يشكروني ؟»
بل:
«هل كان عملي يستحق أن يبقى ؟»
هذه الأسئلة أكثر قسوة ..
لكنها أكثر إنصافًا  ..
لأنها تنقل الإنسان من مسرح التصفيق ..
إلى ميدان الأثر  ..
وفي النهاية ..
ربما لا تكون الحكمة أن تعمل أقل ..
ولا أن تعمل أكثر  ..
الحكمة أن تعرف متى تعطي العمل قلبك ..
ومتى تسترد قلبك منه  ..
أن تدخل عملك وفي نيتك الإحسان  ..
أن تؤدي ما عليك بأمانة  ..
أن تضيف حين تكون الإضافة ذات معنى  ..
أن تتحمل مسؤولية مبادرتك  ..
أن تعرف حدود وقتك   .
أن تحفظ حق أسرتك  ..
وأن تغادر في نهاية اليوم دون أن تحمل على كتفيك جنازة يوم كامل ..
ثم تمضي إلى حياتك ..
كما قال الدكتور مسفر في معنى بالغ الصفاء:
تخرج وأنت طيب النفس ..
ليس في نفسك على أحد شيء  ..
قد لا يعترف أحد بما صنعت  ..
لا بأس  .
قد لا يعرف أحد كم تعبت  ..
لا بأس  .
قد يمر عملك بصمت  ..
لا بأس  .
فبعض الأشياء العظيمة تبدأ صامتة ..
وبعض الآثار لا تصدر صوتًا حين تولد  .
وإذا كنت قد أديت ما عليك بإخلاص ..
فقد ربحت شيئًا لا تمنحه لك شهادة ..
ولا منصب ..
ولا تصفيق:
ربحت نفسك  .
ولعل أجمل خاتمة لهذه الفكرة كلها أن نسأل أنفسنا ..
لا عن مقدار ما أعطيناه للعمل ..
بل عن مقدار ما بقي منا بعد أن أعطيناه  .
فحين ينتهي دوامك اليوم ..
هل ستخرج من العمل فقط ؟
أم ستخرج منه ومعك قلبك أيضًا ؟

gemini generated image eamri3eamri3eamr

أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء ١٩ ربيع الأول ١٤٤٨
١ سبتمبر ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *