لم أكن أبحث عن فكرةٍ جديدة ..
كنت أتنقل بين تسجيلاتٍ صوتية قديمة للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ..
تعود إلى نحو ست سنوات ..
حين استوقفني عنوانٌ بسيط : « عقلية المدربة المحترفة» ..
ظننته حديثًا عابرًا عن مهارات التدريب .. أو وصايا معتادة تُقال لكل من يقف أمام الناس ..
لكن ما إن بدأ الصوت ..
حتى أدركت أن العنوان لم يكن سوى الباب ..
أما البيت الذي خلفه ..
فكان أوسع بكثير ..
فلم يكن الحديث عن المنصة بقدر ما كان عن الإنسان الذي يستحق أن يقف عليها ..
ولم يكن عن فن الإلقاء ..
بقدر ما كان عن العقل الذي يسبق الكلمة .. وعن الأمانة التي تسبق الشهرة ..
وعن رحلةٍ طويلة لا تبدأ حين يراك الناس ..
بل حين تجلس وحدك تسأل نفسك :
هل أنا أهلٌ لما سأقوله؟
حينها فقط فهمت أن الاحتراف لا يولد لحظة الإمساك بالميكروفون ..
إنه يولد قبل ذلك بوقتٍ طويل ..
في ساعة القراءة التي لا يراك فيها أحد ..
وفي السؤال الذي يدفعك إلى البحث بدل الاكتفاء ..
وفي المعلومة التي لا تنقلها حتى تعرف من أين جاءت ..
فقد كان الدكتور يكرر معنى واحدًا ..
لكنه كان يلبسه في كل مرة صورةً جديدة ..
أن المدربة لا تصبح محترفة لأنها تتحدث كثيرًا .. وإنما لأنها تعرف متى تتكلم .. وماذا تقول .. ولماذا تقوله ..
وكأن الدكتور اختصر الطريق كله في جملةٍ واحدة حين قال :
«المدربة المحترفة لا تنشأ من فراغ .»
لم يقلها ليقلل من شأن أحد ..
بل ليوقظ فينا حقيقةً يغفل عنها كثيرون ..
أن الاحتراف لا يولد فجأة ..
وإنما يُبنى لبنةً بعد لبنة .
ثم أخذنا إلى سؤالٍ بدا بسيطًا ..
لكنه في الحقيقة كان الميزان الذي يفرق بين من يتصدر الناس ..
ومن يستحق أن يتصدرهم ..
من أين جاءت هذه المعلومة ؟
سؤالٌ صغير ..
لكن كثيرًا من الأجوبة الكبيرة تبدأ منه .
ولم يكن سؤالًا يُراد به إحراج أحد ..
بل كان سؤالًا يُراد به بناء عقل ..
فالفرق كبير بين من يحفظ المعلومة .. ومن يعرف نسبها ..
وبين من يردد عبارةً أعجبته ..
ومن يستطيع أن يقف خلفها إذا سُئل عنها ..
ولهذا كان الدكتور يكرر أن المدربة المحترفة لا يكفي أن تعرف ..
بل يجب أن تعرف كيف عرفت ..
ثم ضرب مثالًا لا يزال عالقًا في ذهني ..
قال ما معناه :
لو كنتِ مندوبةً لشركة ذهب ..
ثم عُرضت عليك قطعة ..
وأنتِ لا تملكين القدرة على التمييز بين الأصلي والمقلد ..
فكيف ائتمنتك الشركة أصلًا على تمثيلها؟
التشبيه كان بسيطًا ..
لكنه كشف حقيقةً أكبر ..
فكما أن الخبير يميز الذهب من أول نظرة ..
ينبغي لصاحب العلم أن يميز المعلومة الصحيحة من الزائفة ..
والمصدر الموثوق من المصدر الهش ..
وليس المقصود أن يولد الإنسان بهذه القدرة ..
بل أن يجعلها مشروعًا يتعلمه يومًا بعد يوم ..
فالاحتراف لا ينشأ فجأة ..
لكنه يبدأ من قرارٍ صادق بألا يكتفي الإنسان بما يسمع ..
ولا يطمئن إلى كل ما يُنشر ..
حتى يرده إلى أصله ..
ولعل من أكثر ما استوقفني في حديث الدكتور قوله :
«أنا لا أرفض الفكرة .. أقرر أن أتدرب .»
فما أجمل الفرق بين عقلٍ يبرر نقصه .. وعقلٍ يجعل من كل نقصٍ بدايةً للتعلُّم .
ولهذا لم يكن الدكتور يدعو إلى كثرة القراءة فحسب ..
بل إلى حسن القراءة ..
فكم من قارئٍ جمع صفحاتٍ كثيرة ..
ولم يجمع منهجًا واحدًا ..
وكم من باحثٍ تعلم أن يسأل قبل أن ينقل ..
فاختصر على نفسه أعوامًا من الوقوع في الخطأ ..
ثم جاءت عبارته التي منحت كل باحثٍ طمأنينة :
«المدرب المحترف صحيح أنه لا ينمو فجأة .. لكنه يسير على الطريق .»
فليست العبرة بسرعة الوصول ..
وإنما بصدق السير .
ثم جاءت العبارة التي لخصت الفكرة كلها ..
حين أكد أن المدربة المحترفة لا تقف على المنصة لأنها تعرف كل شيء ..
وإنما لأنها لا تتوقف عن التعلُّم ..
فكلما اتسعت معارفها ..
ازداد تواضعها ..
وكلما كثرت مصادرها ..
ازداد حرصها على التثبت ..
وهنا أدركت أن الاحتراف الحقيقي لا يبدأ أمام الجمهور ..
بل يبدأ في الخفاء ..
حين يربي الإنسان نفسه على احترام الحقيقة قبل أن يطلب من الناس أن يثقوا بكلامه .
ولعل أكثر ما أعجبني في حديثه ..
أنه لم يربط الاحتراف بالشهادة ..
ولا بعدد الدورات ..
ولا بطول سنوات الممارسة ..
بل ربطه بعادةٍ صغيرة ..
لكنها تصنع الفارق كله ..
عادة التحقق ..
فالمدربة التي تتعب في التأكد من آيةٍ قبل أن تذكرها ..
أو حديثٍ قبل أن تستشهد به ..
أو معلومةٍ قبل أن تبني عليها رأيًا ..
لا تحمي نفسها وحدها ..
بل تحمي عقول من يستمعون إليها ..
ومن هنا كان يؤكد أن قوة المدرب لا تظهر حين يتكلم ..
بل حين يُسأل ..
فالسؤال ليس عثرةً في الطريق ..
وإنما فرصةٌ ليظهر ما وراء الكلمات من علمٍ وبحثٍ واستعداد ..
ولهذا لم يكن يدعو إلى أن نحفظ الإجابات ..
بل أن نتعلم طريق الوصول إليها ..
فالإنسان قد ينسى معلومة ..
لكن من يعرف كيف يبحث عنها ..
لا يبقى طويلًا حائرًا ..
ولذلك كانت رسالته أوسع من التدريب نفسه ..
فكل إنسانٍ يتصدر للناس ..
معلمًا كان أو كاتبًا أو متحدثًا ..
يحمل أمانةً لا يليق بها إلا الصدق في النقل ..
والحرص على التثبت ..
والتواضع أمام الحقيقة ..
ولم يكن يتحدث عن وظيفة ..
بل عن رسالة ..
ولهذا قال :
«المدربة المحترفة كيان عظيم .»
ولم تكن كلمة كيان هنا عابرة ..
لأنها تعني أن الاحتراف لا يقوم على مهارةٍ واحدة ..
بل على شخصيةٍ كاملة تتشكل بالعلم ..
والبحث ..
والأمانة ..
والخلق .
ولعل ما زاد هذا الحديث جمالًا أنني كنت أستمع إلى تسجيلٍ مضى عليه نحو ست سنوات ..
ومع ذلك لم أشعر أن الزمن مرَّ عليه ..
فقد أدركت أن الأيام لا تملك سلطانًا على كل شيء ..
فالكلمات التي تولد من تجربةٍ صادقة لا تشيخ ..
والحكمة لا يبهت لونها مع مرور الأعوام ..
بل تزداد رسوخًا ..
وكأن الزمن لا يستهلكها ..
بل يصقلها ..
وبعض الأفكار لا يكبر عمرها ..
وإنما تكبر قيمتها ..
لأنها كلما عادت إلينا وجدنا أنفسنا قد كبرنا بما يكفي لنفهم منها ما لم نكن نفهمه من قبل ..
ولهذا لم أكن أستمع إلى تسجيلٍ قديم ..
بل إلى فكرةٍ ما زالت تنبض بالحياة ..
تمدُّ ظلها على كل زمان ..
كما تمتد النخلة العتيقة فيزداد ظلها اتساعًا كلما طال بها العمر ..
وعندها فقط اكتمل المعنى الذي ظل الدكتور يبنيه في كل مثالٍ ذكره منذ أول دقيقة ..
ولم تعد الأمثلة متفرقة ..
بل أصبحت كلها تشير إلى الحقيقة نفسها .
وعندما انتهى التسجيل ..
لم أشعر أنني استمعت إلى حديثٍ عن المدربة المحترفة فحسب ..
بل عن كل إنسانٍ يريد أن يكون أهلًا للكلمة ..
فالمنصة ليست أول الطريق ..
إنها آخره ..
أما البداية الحقيقية ..
فتكون دائمًا هناك ..
حيث لا يراك أحد ..
إلا الله ..
وأنت تبني نفسك ..
فكرةً بعد فكرة ..
حتى إذا وقفت يومًا أمام الناس ..
لم تكن كلماتك أعلى من علمك ..
ولا شهرتك أكبر من أمانتك .

📖 إشارة وفاء وتوثيق ..
هذا المقال ثمرةُ تأملٍ في التسجيل الصوتي «عقلية المدربة المحترفة» للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .. وقد استُلهمت منه أفكاره الرئيسة .. ثم أُعيد بناؤها وصياغتها وتحليلها في قالبٍ أدبي .. مع الحفاظ على جوهر الرسالة ومقاصدها .
🎧 للاستماع إلى التسجيل الأصلي :
«عقلية المدربة المحترفة»
🔗القناة الصوتية للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني حفظه الله ..
https://t.me/joinchat/AAAAAFNNoLHMoNBuEPoUJg
أثر لاينسى
جدة
السبت ٤ صفر ١٤٤٨
١٨ يوليو ٢٠٢٦

