🔥 مدير من ورق .. حين يخذل الصمتُ القيادة 🪶⚠️

screenshot ٢٠٢٦٠٥٣١ ٠٠١٣٣٢ gallery


في زوايا المؤسسات لا تُختبر القيادة عند لحظة الهدوء .. بل عند اللحظة التي يُخفى فيها الخلل خلف ابتسامةٍ مرتاحة .. وتقارير مطمئنة .. وصمتٍ طويل يُجيد التجميل أكثر مما يُجيد الإصلاح .
هناك .. حيث يبدو كل شيء على ما يُرام .. قد يولد أخطر أنواع الوهم : أن غياب المشكلة يعني غيابها فعلًا .. وأن الأوراق المصفوفة قادرة على ستر ما تعجز عنه الممارسة .
وفي قصة “مدير من ورق” تتعرّى الفكرة من زينتها .. ويقف القارئ أمام سؤالٍ لا يرحم .. هل تُدار المدارس بالواقع .. أم تُدار بما يُكتب عنها ؟
حينها فقط ندرك أن القيادة ليست لقبًا يُعلّق .. ولا شهادة تُعرض .. بل عينٌ لا تُغلق عن الخلل .. ويدٌ لا تتردد في الإصلاح .. وقلبٌ لا يختبئ خلف المجاملة حين يكون الحق أحق أن يُتّبع .
هناك مواقف لا تنتهي عند حدود الحكاية .. بل تبدأ منها .
وموقف الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني الذي أسماه “مدير من ورق” ليس قصة عن مدير مدرسة ومعلمين مقصرين فحسب .. بل نافذة واسعة نطل منها على أحد أخطر الأمراض التي قد تصيب المؤسسات التربوية : مرض التستر على الخلل حتى يتحول الخلل إلى واقع طبيعي .
يروي الدكتور أنه في إحدى زياراته الإشرافية دخل مدرسة يديرها رجل وقور .. غطى الشيب وجهه، ويحمل درجة الماجستير في الإدارة منذ عقود طويلة .
ولعل أول ما يلفت النظر في وصف الدكتور أنه لم يبدأ بالشهادة العلمية .. بل بدأ بالإنسان .. بهدوء صوته .. ولطف استقباله .. وابتسامته الجميلة .
وكأن الرسالة الأولى تقول للقارئ :
ليس كل من بدا لطيفاً كان قائداً ناجحاً .. كما أن حسن الخلق وحده لا يكفي لصناعة الإدارة الفاعلة .
سأل الدكتور عن المدرسة .
فكانت الإجابات مطمئنة .
كل شيء بخير .
والمعلمون يؤدون أعمالهم على الوجه المطلوب .
والأمور تسير بأفضل حال .
هنا توقف الدكتور عند نقطة شديدة الأهمية .
إذ يقول إنه يرتاب حين يسمع من بعض المديرين وصفاً مثالياً لكل ما يجري داخل مدارسهم .
وهذه لفتة تربوية عميقة .
فالمدرسة ليست مدينة ملائكة .
والمعلم بشر .
والمدير بشر .
والمشرف بشر .
والبشر بطبيعتهم يخطئون ويصيبون .
أما حين تختفي الأخطاء تماماً من التقارير والحوارات والتوصيفات .. فغالباً ليست المشكلة في غياب الأخطاء ..  بل في غياب من يراها أو يجرؤ على الحديث عنها .
ولعل من أجمل ما كشفه الدكتور لاحقاً أن ارتيابه لا يأتي من مدرسة تعترف بوجود بعض التحديات .. بل من مدرسة تبدو في وصف مديرها وكأنها بلغت مرتبة الكمال .
فهو يرى أن المدير الحقيقي لا يخشى أن يرى الزائر مواطن الضعف .. بل ربما دعاه إليها .
ذلك أن القائد الواثق لا يبحث عمن يصفق له، بل عمن يبصره بما غاب عنه .
وقد أشار الدكتور إلى معنى بديع حين ذكر أن أفضل المديرين في نظره هو من يقول للزائر : تفضل وشاهد المدرسة بنفسك .. ثم أخبرني بما رأيت لنتناقش حوله .
فالعين قد تألف بعض المشاهد حتى لا تعود تراها .. بينما تأتي العين الجديدة لتلتقط ما غاب عن الجميع .
ثم بدأت الزيارات الصفية .
وهنا سقطت الصورة الوردية سريعاً .
يقول الدكتور إنه وجد معلمين لا يملكان دفاتر إعداد، ولا سجلات متابعة .. ولا وسائل تعليمية .. ولا ما يشعر الزائر بأن عملية تعليمية حقيقية تجري داخل الصف .
ولم تكن الصدمة في حجم التقصير .
بل في أن المدير لم يُبدِ أي دهشة .
لم يدافع .
لم يستغرب .
لم يطلب التحقق .
وكأنه كان يعلم كل شيء منذ البداية .
ولعل من الإنصاف أن نفرق بين ما وقع فعلًا، وبين تفسيرنا لما وقع. فالتقصير كان حقيقة ظاهرة .. وتأخر المعالجة كان واقعًا مشاهدًا .. أما تفسير أسباب ذلك فباب تتعدد فيه القراءات وتتسع له الاحتمالات
وهنا نتوقف قليلاً .
لأن الموقف لم يعد يتحدث عن معلمين مقصرين .
بل بدأ يتحدث عن قيادة تعلم وتسكت.
والفرق بين الأمرين كبير .
عندما يغيب الحزم الإداري لفترة طويلة .. يتحول المشرف من مطور للأداء إلى معالج للأزمات ..
فالمعلم المقصر قد يضر فصلاً أو مجموعة طلاب .
أما المدير الذي يعلم ويسكت فإنه يمنح التقصير مظلة حماية، فيتحول الخطأ الفردي إلى ثقافة مؤسسية .
وهنا تبدأ القصة الحقيقية .
فالدكتور نفسه اعترف لاحقاً أن معاناته لم تكن مع المعلمين بقدر ما كانت مع المدير .
لأن المعلم مهما بلغ تقصيره يبقى فرداً يمكن توجيهه ومحاسبته وتقويمه .
أما حين يصبح المدير نفسه متفرجاً على الخلل فإن المشكلة تنتقل من مستوى الأفراد إلى مستوى القيادة .
لم يكن التعب في متابعة دفتر تحضير أو سجل توثيق .. بل في الشعور بأن الجهود التي كان يمكن أن تُصرف في تطوير المعلمين والارتقاء بأدائهم استُنزفت في معالجة أبجديات العمل المهني .
ولهذا كان الدكتور يشعر أنه يؤدي أدواراً ليست من صميم مهمته .
فهو لم يأتِ ليفتش عن دفتر إعداد مفقود.
ولم يأتِ ليتأكد من وجود سجل متابعة أو وسيلة تعليمية .
فهذه من أبجديات العمل الإداري داخل المدرسة .

وهي مسؤولية المدير قبل أن تكون مسؤولية أي شخص آخر .
أما مهمة المشرف التربوي الحقيقية فهي أعمق من ذلك بكثير .
أن يطور الأداء .
ويرتقي بالممارسات .
ويضيف للمعلم أدوات جديدة .
ويصنع فارقاً في جودة التعلم .
لكن ما حدث هنا أنه وجد نفسه يعود إلى نقطة البداية .
وكأنه لا يمارس دور المشرف التربوي .. بل يمارس دور مدير المدرسة نفسه .
وحين ناقش المعلمين وأعطاهم فرصة جديدة .. لم يكتب عنهم حرفاً واحداً .. تقديراً للمدير كما قال
.
وكأنه أراد أن يمنح الجميع فرصة للعودة .
فرصة تحفظ الكرامة .
وتفتح باب الإصلاح .
وتؤكد أن التربية قبل العقوبة .
لكن ما الذي حدث ؟
عاد بعد مدة .
فوجد الحال كما هو .
لم يتغير شيء .
هنا تظهر لنا حقيقة إنسانية مؤلمة .
فبعض الناس لا يقرأون الرحمة على أنها فرصة .
بل يقرؤونها على أنها ضعف .
ولا يفهمون التقدير على أنه احترام .
بل يفسرونه على أنه تراجع .
ولذلك لم تؤثر فيهم النصيحة .
ولم توقظهم الثقة .
ولم تحركهم المسؤولية .
ومن أعمق ما كشفه الدكتور في حديثه أنه لم يكن يبحث عن مدير مطيع أو مدير يوافقه على كل ما يقول .
بل كان يبحث عن مدير قوي .
فالناس كثيراً ما يخلطون بين اللين والضعف .
وبين التعاون والتنازل .
وبين حسن الخلق وغياب الحزم .
بينما الإدارة الناجحة تحتاج إلى مزيج متوازن من الرحمة والقوة .
وقد أكد الدكتور أن المدير القوي هو الذي يجعل المشرف يتفرغ للمهام الكبرى .
أما المدير الضعيف فإنه يستنزف الجميع في معالجة أمور كان يفترض أن تكون منتهية منذ زمن .
فالمدير القوي يساعد .
وينجز .
ويتابع .
ويمنع تراكم الأخطاء .
ويجعل الزيارة الإشرافية فرصة للتطوير لا فرصة لإصلاح الأساسيات .
ثم جاءت لحظة الحسم .
الدرجات المتدنية .
والإجراءات الرسمية .
والحديث الصريح عن العواقب .
وفجأة استيقظت الهمم .
وخلال أسبوع واحد فقط أصبحت دفاتر الإعداد جاهزة .
والسجلات مكتملة .
وكل ما طُلب أصبح حاضراً .
لقد تحقق الامتثال سريعًا .. وامتلأت الطاولات بالدفاتر والسجلات .. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا .. هل وُلد الاقتناع في الداخل ؟ أم أن الخوف سبق القناعة إلى النفوس ؟ ذلك سؤال لا تجيب عنه الأوراق وحدها .
وهنا يكتب الدكتور واحدة من أعمق العبارات في الموقف كله .
إذ يقول إنه شعر بغصة وهو يرى استجابتهم للخوف من العقوبة أكثر من استجابتهم لمراقبة الله سبحانه وتعالى .
وهذه ليست ملاحظة إدارية .
بل وقفة إيمانية وتربوية كبيرة .
فالإنسان الحقيقي لا يعمل لأن المشرف قادم .
ولا لأن المدير سيتابع .
ولا لأن التقييم قد ينخفض .
بل لأنه يعلم أن الله يرى عمله قبل أن يراه الناس .
وربما كان أكثر ما أحزن الدكتور في نهاية القصة ليس تقصير المعلمين .
ولا حتى ضعف المدير .
بل ذلك المشهد الإيماني المؤلم حين تحركت الهمم كلها خوفاً من تقييم بشر .
بينما لم تتحرك بالقدر نفسه استشعاراً لرقابة رب البشر .
ولهذا خرج من المدرسة والغصة في حلقه.
لم تكن غصة إدارية .
بل غصة تربوية وإيمانية .
لأن أعظم ما يمكن أن يربى عليه الإنسان أن يؤدي عمله لأن الله يراه .
لا لأن المشرف سيزوره .
ولا لأن المدير سيتابعه .
ولا لأن التقييم قد ينخفض .
فالرقابة التي تصنع الإتقان الحقيقي لا تسكن الملفات .
بل تسكن الضمائر .
ربما لم يكن المدير من ورق كما أوحى العنوان .. بل كان رجلًا يملك رصيدًا أخلاقيًا كبيرًا ومحبة ظاهرة واحترامًا فرضه الشيب والوقار .. لكنه افتقد الحزم التنفيذي الذي يحمي تلك القيم ويمنحها القدرة على صناعة الأثر .
ثم تأتي الزاوية النفسية التي ربما تُفسر المشهد كله .
فالدكتور لا يبدو غاضباً من المدير بقدر ما يبدو متحسراً عليه .
كأنه يقول في أعماقه :
لماذا أُجبر على أداء دور المدير والمشرف والمحقق والمفاوض في الوقت نفسه ؟
ولعل هذه هي لبّ القصة كلها .
فحين تغيب القيادة الحقيقية يضطر الآخرون إلى حمل أعبائها .
وحين يتخلى القائد عن بعض أدواره تتوزع مسؤولياته على من حوله .
ويضيع الوقت الذي كان يمكن أن يُستثمر في البناء والتطوير .
في معالجة ما كان ينبغي ألا يوجد أصلاً .
وفي نهاية المشهد لا يتركنا الدكتور أمام إدانة أشخاص .
بل أمام سؤال كبير :
كم من مؤسسة تعاني اليوم لا بسبب ضعف العاملين فيها، بل بسبب صمت القيادة عن مكامن الخلل ؟
وكم من طاقات تهدر لأن أصحاب المسؤولية لم يمارسوا مسؤولياتهم كما ينبغي ؟
ولهذا لم تكن قصة “مدير من ورق” قصة عن دفتر إعداد أو سجل متابعة أو تقييم منخفض .
بل كانت درساً عميقاً في معنى القيادة .
فالقيادة ليست لقباً إدارياً .
وليست شهادة عليا معلقة على الجدار .
وليست سنوات خدمة طويلة .
القيادة موقف .
وشجاعة .
ومتابعة .
ومساءلة .
وأمانة يحملها صاحبها كل يوم .
وصدق الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني حين سمّى هذا الموقف :
“مدير من ورق” .
فالقائد الحقيقي ليس من يحمل لقب المدير .
بل من يحمل شجاعة المواجهة .. وأمانة المسؤولية ..  وصدق القيام بحق من استرعاه الله عليهم .

ولعل السؤال الحقيقي الذي يتركه هذا الموقف خلفه ليس : من أخطأ ؟
بل : كيف نصنع قائدًا يجمع بين قلب هذا المدير وعزم القائد الحازم ؟
كيف نصنع إنسانًا يحمل الرحمة دون أن يتخلى عن المساءلة ؟
ويمنح الثقة دون أن يفرط في المتابعة ؟ ويصون العلاقات دون أن يضحي بحقوق الطلاب ؟
فهناك .. في تلك المنطقة المتوازنة بين اللين والحزم .. تولد القيادة الحقيقية
  .

وهنا رابط لموقف الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني حفظه الله  كما كتبه دون تدخل .. والذي يعكس بوضوح عمق الفكرة وتجذرها في الواقع .. بأسلوبٍ لافتٍ ومؤثر يكشف جوهر القيادة الحقيقية
  .

أثر لاينسى
جدة
السبت ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧
٣٠ مايو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *