هؤلاء لم يتعلموا التدريب فقط .. بل خرجوا من النسخة القديمة لأنفسهم ✨

screenshot ٢٠٢٦٠٥١١ ٠٥٣٠٠٧ gallery


في بعض الأماكن .. لا يحدث التعليم بالطريقة المعتادة .. لا تُلقى المعلومات كأنها أرقام محفوظة .. ولا تُوزّع الكلمات كواجبات عابرة ..
بل يحدث شيءٌ أعمق بكثير .. شيء يشبه إعادة تشكيل الإنسان من الداخل ..
هناك .. في ذلك الركن الصغير الذي يحمل اسم “مدربات مبدعات” .. لم تكن الحكاية مجرد برامج تدريبية .. ولا لقاءات عبر شاشة .. ولا نقاشات عابرة تنتهي بانتهاء المحاضرة ..
بل كانت ولاداتٍ جديدة .. هادئة أحيانًا .. ومؤلمة أحيانًا أخرى .. لكنها حقيقية ..
فبعض الناس يدخلون أماكن التعلّم ليزدادوا معرفة .. وهؤلاء دخلوا .. فخرجوا بنسخة أخرى من أنفسهم .
نسخة أكثر جرأة .. أكثر وعيًا .. وأكثر قدرة على مواجهة الحياة دون خوف .
والحقيقة التي لا تُقال كثيرًا .. أن أعظم التحوّلات لا تبدأ من القمم .. بل تبدأ من لحظة ارتباك .. من صوتٍ مرتجف .. من محاولة خائفة .. من إنسان يقول لنفسه : “سأجرّب .. رغم خوفي” .
وهذا تمامًا ما حدث هنا .
لم تكن الأستاذة مها الشهري تتحدث عن نجاحٍ جاهز .. بل كانت تكشف البدايات كما هي .. دون تجميل .. بكل ما فيها من رهبة .. وتردد .. وارتباك .. وتساؤلات موجعة .
كانت تصف نفسها وهي تراقب بصمت .. تحضر .. وتدوّن .. وتتعلم .. لا تجرؤ حتى على المبادرة بالكلام ..
ثم شيئًا فشيئًا .. بدأ الباب الداخلي يُفتح .
خطوة صغيرة .. ثم خطوة أخرى .. حتى وصلت إلى اللحظة التي أرسلت فيها أول مادة تدريبية وهي ترتجف خوفًا من النقد .
لم يكن خوفها من الناس بقدر ما كان خوفها من مواجهة نفسها .
حتى إنها أخلت منزلها بالكامل يوم أرسلت مادتها .. أبعدت أطفالها .. واختلت بنفسها تنتظر الملاحظات وكأنها تنتظر حكمًا مصيريًا .
يا لهذا الصدق النادر ..
كم من الأشخاص يروون نجاحاتهم بعد أن تلمع الصورة .. لكن القليل فقط يملكون شجاعة الحديث عن هشاشتهم الأولى .
ثم جاءت اللحظة الفاصلة .. حين دفعتها إحدى الأخوات دفعًا نحو أول عرض تدريبي .. وهي تقاوم .. وتتراجع .. وتحاول الهروب ..
لكنها قدّمت .
وهنا حدث التحول الحقيقي .
ليس لأنها أتقنت من أول مرة .. بل لأنها تجرأت أن تبدأ .
وهذه من أعظم الحقائق التي يغفل عنها الناس : أن البداية المرتبكة .. أفضل ألف مرة من الموهبة المؤجلة .
ثم راحت تصف خوفها يوم البرنامج الأول .. ارتباك الصوت .. تعطل التقنية .. تسارع الأفكار .. الشك حتى في العلم الذي تقدّمه ..
كل ذلك كان يحدث .. بينما كانت في الخارج تبدو “مدربة” .
وهنا تكمن الحقيقة العميقة التي لا يراها كثيرون : أن الإنسان قد يبدو ثابتًا أمام الناس .. بينما يخوض داخله أعنف معاركه .
لكن الأجمل من كل ذلك .. أنها لم تتحدث عن الوصول .. بل تحدثت عن “الخروج” .
الخروج من الكهف القديم .. من منطقة الراحة .. من السجن الهادئ الذي يجعل الإنسان يعيش سنوات طويلة دون أن يكتشف نفسه .
وحين وصفت انتقالها من “منطقة الراحة” إلى “منطقة الخوف” .. ثم إلى “منطقة التعلم” .. لم تكن تشرح نظرية تدريبية فقط .. بل كانت تصف رحلة إنسان يولد من جديد .
أما الأستاذة عفاف العتيبي .. فكانت قصتها مختلفة في التفاصيل .. لكنها متشابهة في الجوهر .
هي الأخرى لم تبدأ وهي ترى نفسها مدربة استثنائية .. بل بدأت من قاعات الدراسة .. من العروض الجامعية .. من الملاحظات المكتوبة .. من النقد الذي كان يكشف لها مناطق القوة والضعف معًا .
وهنا يظهر الفرق بين من يريد الثناء .. ومن يريد التطور .
فبعض الناس يبحثون عمّن يصفق لهم .. أما هي .. فكانت تبحث عمّن يطوّرها .
ثم جاءت تجربتها في كندا .. وهناك اكتشفت أن التدريب ليس منصة جامدة .. بل روح خفيفة تستطيع أن تحمل المعرفة دون تكلف .
لكن التحول الحقيقي بدأ حين دخلت إلى مجموعات الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .
وهنا .. لم تعد المعرفة وحدها كافية .
بل بدأت مرحلة الصقل الحقيقي .
مرحلة تحويل “المادة الخام” إلى شيء أكثر نضجًا وتأثيرًا .
وحين رأت غموض “التقويم المدرسي” في الميدان .. لم تكتف بالمشاهدة .. بل رأت في المشكلة فرصة .
وهذه صفة لا يملكها إلا الأشخاص الذين يغادرون عقلية التلقي إلى عقلية المبادرة .
قدّمت أمسيتها الأولى .. أمام ألف شخص تقريبًا ..
ألف شخص .. ورغم ذلك .. لم يخدعها الرقم .
لم تتعامل مع التصفيق بوصفه انتصارًا شخصيًا .. بل كانت تقول لنفسها بوعي نادر : “الناس حضرت للحاجة .. لا لاسمي” .
يا لعمق هذا الإدراك .
لأن أخطر ما قد يصيب الإنسان في بداياته .. أن يظن أن الضوء الذي حوله .. صُنع لأجله وحده .
لكن الوعي الحقيقي .. يجعل الإنسان أكثر تواضعًا كلما تقدّم .

ثم جاءت المدربة منال الشهري .. لتقدّم نموذجًا آخر مختلفًا تمامًا .
فهي لم تأتِ من عالم التعليم أصلًا .. ولا من بيئة تدريبية معتادة .. بل جاءت محمّلة بالأسئلة .. والتردد .. والدهشة .
وكانت تظن أن انضمامها مجرد خطوة عابرة .. لكن بعض الأقدار تبدأ صغيرة جدًا .. ثم تغيّر اتجاه الحياة بالكامل .
تحدثت عن تلك اللحظة التي كانت تراقب فيها أسماء المشاركات تتوالى واحدة بعد أخرى .. بينما هي مترددة .. تسأل نفسها بصمت : “هل أستطيع فعلها فعلًا ؟” .
ثم كتبت اسمها أخيرًا .
مجرد اسم .. لكنه في الحقيقة كان إعلان عبور من حياة إلى أخرى .
وحين وصفها الدكتور مسفر بعد عرضها بـ “ملكة الجدارات” .. لم يكن يمنحها لقبًا فقط .. بل كان يعيد تعريف صورتها أمام نفسها .
وهذه موهبة نادرة لا يملكها كل القادة .
فبعض الناس يمنحونك المعلومات .. أما القلة النادرة .. فيمنحونك القدرة على أن ترى نفسك بصورة لم تكن تراها من قبل .
ثم جاءت القائدة شريفة الغامدي .. وكأنها تمثل الجانب الخفي الذي لا يتحدث عنه كثيرون .
ذلك الجانب الذي يحمل الشغف .. لكنه يختبئ خلف الخجل .
تقول إنها كانت تدخل قاعات التدريب مثل فراشة حائرة .. تبحث عن ذاتها بين المقاعد .. ثم تغادر غالبًا كما جاءت .. وربما بجناحٍ مكسور .
كان الخجل سجنها الكبير .
تخجل من صوتها المبحوح .. ومن حروفها المتعثرة .. ومن ضعفها في التقنية .. ومن المناقشة .. حتى صار الشغف نفسه مختبئًا خلف ستار طويل من الوجل .
لكن كل شيء تغيّر حين التحقت بمجموعة “مستشارك الأول” .
وهنا .. لم يكن التحول تدريبيًا فقط .. بل إنسانيًا عميقًا .
تصف تلك المرحلة وكأنها نور جاء بعد عتمة طويلة .. وكأن المجموعة أعادت إليها صوتها الذي ظل مختبئًا سنوات .
ثم جاءت اللحظة الأصعب .. حين أعلن الدكتور عن تقديم العروض التدريبية .
تقول إن قلبها كان يرتجف .. وإنها بدأت تختبئ خلف الأعذار :
أنا مشغولة ..
أنا أم ..
أنا مديرة ..
أنا لا أستطيع ..
لكن عبارة واحدة غيّرت كل شيء :
“من لا يتقدم يتقادم .. والبدايات المحرقة تعلن عن نهايات مشرقة” .
كانت تلك الكلمات أشبه بشهاب اخترق ظلمة الخوف داخلها .
فتقدّمت .. رغم الارتباك .. رغم بعثرة الأوراق .. رغم ذلك الصوت الداخلي الذي كان يخبرها أنها لن تنجح .
ثم حدث ما لم تكن تتوقعه .
انتهى العرض .. وانتظرت تعليق الدكتور وكأنها تنتظر نتيجة عبورٍ كامل في حياتها .
وحين منحها لقب “القائدة الأنيقة” .. لم تشعر أنها مجرد كلمة عابرة .. بل شعرت أن أحدًا ما رأى النسخة الجميلة التي كانت مختبئة داخلها منذ سنوات .
ومنذ تلك اللحظة .. بدأت رحلة مختلفة تمامًا .
رحلة البحث عن الذات .. والخروج من الخوف .. واكتشاف المساحات التي كانت تجهل وجودها في نفسها .
واليوم .. وهي تنظر إلى رحلتها .. تدرك أن التدريب لم يمنحها مهارة فقط .. بل منحها حياة أوسع .. وثقة أعمق .. ووعيًا جديدًا بذاتها .
وهنا يظهر الأثر الحقيقي للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .
فهو لا يقدّم تدريبًا عاديًا .. ولا يصنع نسخًا مكررة من الآخرين .. بل يوقظ الإنسان من الداخل .
يجعله يرى مساحات لم يكن يظن أنها موجودة فيه .
ولعل أجمل ما في تجربته .. أنه لا يبيع الوهم السريع .. ولا يقدّم النجاح كقفزة خاطفة ..
بل يزرع فيمن حوله فكرة عميقة جدًا : أن النضج رحلة .. وأن البناء الحقيقي يحتاج وقتًا .. وأن الإنسان لا يتشكل في يومٍ واحد .
ولهذا .. لم تكن تلك المجموعة مجرد قروب تدريبي ..
بل كانت مساحة آمنة للتعثر .. للمحاولة .. للارتباك .. للخطأ .. ثم للنهوض مرة أخرى .
وفي الحقيقة .. هذه هي البيئات التي تصنع التحولات الكبرى .
البيئات التي لا تخجل الإنسان من بداياته .. بل تحتضنها حتى تنضج .
وفي نهاية كل هذه الحكايات .. تظهر الحقيقة الأجمل :
أن الإنسان أحيانًا لا يحتاج معجزة .. بل يحتاج شخصًا واحدًا يؤمن بأنه قادر على أن يصبح نسخة أفضل من نفسه .
شخصًا يقول له : “ابدأ .. حتى لو كنت خائفًا” .
لأن أعظم المآسي ليست في الفشل .. بل في البقاء طويلًا داخل النسخة القديمة من ذواتنا .
وهؤلاء .. لم يتعلموا التدريب فقط ..
بل خرجوا فعلًا .. من النسخة القديمة لأنفسهم . ✨

أثر لاينسى
جدة
ليلة الثلاثاء  ٢٥ ذو القعدة ١٤٤٧
١٢ مايو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

2 لا يوجد تعليقات

  1. فاتن بوسبيت

    قصة نجاح مبهرة ومحفزة لمبدعات يدونها قلم صادق وأثر عميق 👍

    1. شكرًا لك أ/فاتن على هذا الحضور الجميل والكلمات النبيلة ..
      ونسأل الله أن يكون فيه نفع وأثر طيب لكل قارئ 🌸

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *