موقف ( أنت لا انت لا)
عندما بدأت حياتي العملية كمعلم لا أتذكر أن أحدا أثناء الدراسة الجامعية عن الكيفية الصحيحة والطريقة المثلى للتعامل مع الطلاب
كان التركيز محصورا في بعض المواد – على قلتها – على كيفية الوصول إلى عقله فقط اما كيف نصل إلى قلبه فلا أحد يتحدث عن ذلك في شيء حتى أثناء التربية العملية
دخلت إلى عالم التدريس في عامي الأول من غير بوصلة لا أدري كيف أبدا أو إلى أين أتجه
كل ما استطعت فهمه أن لدي منهجا دراسيا وكل ماهو مطلوب مني إنجازه ثم اختبار الطلاب في نهاية الفصل حول ما تضمنه من معارف مجردة مع قلة نفعها ومحدودية تأثيرها.
كان المحيط المدرسي ينظر لي نظرة إيجابية بشكل اشعرني اني في صدارة المعلمين هكذا شعرت وقد يكون ذلك الشعور وهما حقيقيا سيطر علي
العجيب أنني لم انتبه لهذه المكانة أو حتى سرها خاصة أنني لم أكن امتلك شيئا من المعرفة أو المهارة بل كان ما املكه وقتها حماسا مجردا من كل شيء
اكتشفت لاحقا ان المدرسة التي انتقلت إليها من مدرسة مسائية يقوم بالتدريس فيها مجموعة من اهل القرية هم في غاية الطيبة واللطف وانهم يعاملون الجميع بنفس المسافة من الاحترام والتقدير
وقتها ادركت ان الشعور بالاهمية والتميز قد تلاشى
قررت أن اختار شخصيتي الخاصة مع طلابي وللأسف كان اختيارا خاطئا فوجدت ملامحي ولغة جسدي تدفعني لاختيار شخصية المعلم الحازم الذي يهابه جميع الطلاب
هكذا شعرت ان الهيبة تصنعها الملامح الجادة مع أنني احمل في داخلي شخصية مرحة تتناغم مع الطرفة والدعابة والتعليقات الساخرة غير الجارحة
ومما ورطني أكثر مع هذه الشخصية ضعف الطلاب في القراءة والاملاء مما فرض علي ان امارس العقاب مع المقصرين خاصة ان مجتمع القرية التي توجد فيها المدرسة يشجع على ذلك
بعد شهور وجدت ان هذه الشخصية ليست تلك التي ابحث عنها فبدات برفع مستوى الدعابة والمرح من غير تفريط في مساحة الجدية
وقتها شعرت بجمال التدريس وروعته فأصبحت أقترب كثيرا من الطلاب ومشكلاتهم لكن من غير عمق معرفي أو خبرة كافية أو حتى تأملات واعية
حتى جاء ذلك اليوم الذي عصف بي وجعلني أعيد النظر في جميع ممارساتي سواء التدريسية أو التواصلية
كان لدينا معلم سريع الانفعال منقبض النفس علاقته بالطلاب تقوم على الشدة والقمع والسخرية وكنت أدرك ذلك لكن علاقتي به كزميل وكونه قد لف نفسه بالغموض والحوار مع الجميع بالحد الأدنى من الكلمات منعني من نصحه
وكان هذا المعلم موطن استغرابي وحيرتي حتى جاء ذلك اليوم الذي عرفت سره وشيئا من تفاصيل غموضه فكبر في عيني وأدركت كم كان يعاني من أشياء تفتت الجبال وتعجز عن تحملها النفس البشرية
ولعل ذلك هو ماجعل شخصيته شخصية مضطربة تعجز عن فهمها
وفي أحد الأيام وانا عند باب غرفة المعلمين واذا بصراخ شديد يعلو المكان
التفت واذا بأحد الطلاب الذين أدرسهم في الصف السادس والذي قد أعاد الدرسة أكثر من مرة يرتفع صوته بالبكاء الممزوج بالصراخ والتوعد
اما الطرف الثاني فقد كان المعلم آنف الذكر واذا بأحد المعلمين يخبرني ان المعلم والطالب قد تبادلا الضرب والمكالمات
كان الطالب يرتعد لكن ليس من الخوف بل رغبة في الانتقام من المعلم فامسكت الطالب ودفعت به لغرفة المدير الخالية وأغلقت الباب بالمفتاح ودفعته إلى الكنب وطلبت منه الهدوء
كان الطالب يبكي بكاء المذبوح الموجوع مع ان عمره يقارب الخمس عشرة سنة لكونه قد أعاد الدراسة سنوات
خرجت من الغرفة وطلبت من المعلم الخروج من المدرسة لكنه رفض فطلبت من الزملاء ابعاده عن مكان الادارة
رجعت للطالب وأغلقت الباب وهو مازال يبكي بحرقة وحاولت معه حتى بدأ يقترب من الهدوء فقلت له ما الذي حدث فقال يا استاذ كم مرة حذرت المعلم ألا يصغر اسمي أمام الطلاب عندما يناديني
واليوم ناداني بتصغير اسمي فرددت عليه ثم قام واقترب مني وضربني فقمت بضربه ثم انخرط في موجة جديدة من البكاء
لا أعلم لماذا لم أجد في قلبي ذرة واحدة للتعاطف مع المعلم بل كان بكاء الطالب يهزني من الداخل فقلت له كيف تجرؤ على هذا الفعل؟
قلت له هذا يعني أنك يمكن أن تفعل ذلك مع أي معلم بل يمكن أن تفعل ذلك معي لو عاقبتك يوما من الأيام فقال لالا انت لا انت تحبني وتحترمني لو أنك تقطعني لا استطيع ان ارفع عيني فيك أو ارد عليك بحرف
والله لو تعلمون ما أصابني من جراء كلامه فلم أكن وقتها استوعب قيمة ان تحترم الطالب وتزرع حبك في قلبه بل لم أكن أملك المعرفة الكافية التي تجعلني قريبا من نفوسهم
هذا الطالب كان من ذوي المستويات الضعيفة دراسيا لكنه كان مصدر بهجة لي ولزملائه في أثناء الحصة وكنت اشجعه واضحك من تعليقاته مما جعله قريبا من نفسي
بعد هذا الموقف أو الدرس العميق الدي تعلمته من طالبي العزيز أدركت ان الطلاب يراقبون حركاتي وسكناتي وانهم يحبون المعلم الإنسان قبل اي شيء حتى وان كان هزيلا في تدريسه
ماقيمة التدريس المتقن مع طلاب يحملون في قلوبهم الكراهية والنفرة لذلك المعلم المتقن… نعم الطالب اولا ثم الطالب ثم الطالب ثم بعد ذلك يأتي اي شيء.
وسلامتكم
الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني
ومن أراد أن يتأمل هذا الموقف أكثر .. وأن يغوص في أعماقه الإنسانية والتربوية .. وأن يعيش تفاصيل الدرس الذي غيّر نظرة معلم إلى طلابه وإلى نفسه .. فليدخل الرابط ويتأمل الحكاية كاملة .. فبين سطورها نبض قلبٍ تعلّم أن الطريق إلى عقول الطلاب يبدأ من قلوبهم .. وأن الكلمة الطيبة تصنع إنسانًا .. وأن الاحترام يزرع محبة لا تُنسى .
إنها ليست قصة موقف عابر .. بل درس حياة يقول لنا بهدوء :
الطالب لا يبحث عن معلّمٍ يملأ رأسه بالمعلومات فقط .. بل عن إنسانٍ يحتضن قلبه .. ويصون كرامته .. ويشعره أنه مهم .
ومن هنا نفهم أن أعظم ما يمكن أن يقدمه المعلم لطلابه ليس الكتاب .. ولا السبورة .. ولا الاختبار ..
بل قلبٌ رحيم .. ونظرة تقدير .. وكلمة احترام .
فالطالب أولًا ..
ثم الطالب ..
ثم الطالب ..
ثم يأتي بعد ذلك كل شيء .
أثر لاينسى
جدة
الاربعاء ٦ شوال ١٤٤٧
٢٥ مارس ٢٠٢٦

