السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسعد الله أوقاتكم عافية وطاعة وسعادة
موقف ( الوحل)
عندما انتهيت من دراسة الكلية جاء التعيين بعد أقل من شهرين وكان المكان مدرسة مسائية يبدأ دوامها بعد الظهر وينتهي قريب المغرب بقليل
لا أعلم سر الكآبة التي تسيطر على نفسي بسبب هذا التوقيت بل حتى عندما أصبحت مشرفا تربويا بقي ذلك الشعور يلازمني
ما أجمل الصباح وما أعظم بركته كما قال عليه افضل الصلاة والتسليم ( بورك لأمتي في بكورها) في الصباح يكون الإنسان في قمة نشاطه.. شعرت أنني لايمكن أن أتكيف مع هذا الوقت الخانق خاصة أنني ممن يعشق الفجر وبركته
: قررت الذهاب للقسم المختص بنقل المعلمين فوجدت المسؤول عنه محاصرا بكومة من الأوراق فسألني عن أمري فقلت أريد التخلص من الدوام المسائي فقال هل لديك استعداد للذهاب للمدرسة الفلانية يقصد مدرسة تبعد عن بيتي ثلاثة كيلوات وصباحية أيضا فقلت له سأكون لك شاكرا ممتنا لو قمت بنقلي لها فقال تعال غدا واستلم خطاب النقل
خرجت من المكان غير مصدق ان الامر تم بهذه السهولة وفعلا من الغد استلمت الخطاب وذهبت به إلى مديري في المدرسة المسائية فلما قرأه رأيت حجم الضيق في وجهه وكان فرحا بوجودي معه وللامانة كان مديرا شابا نشيطا يفيض بالحيوية والهمة والنشاط
التقيت بهذا المدير المتقد بالحيوية بعد سنوات بعد أن فقد بصره وتحول إلى معلم في إحدى المدارس بسبب حادث فلما دخلت غرفة الإدارة وسلمت وكان يجلس في حديث مع مدير المدرسة التي ازورها كمشرف
عرفني من صوتي فتعانقنا وكان سلامه حارا ذكرني بتلك الفترة القصيرة التي عشتها معه وكانت ممتعة ولم يكن يعكرها سوى ذلك التوقيت المسائي الكئيب
انتقلت الى المدرسة الصباحية الجديدة وعلمت ان مدير المدرسة على قرابة قوية بمسؤول النقل وفعلا كانت المدرسة في حاجة شديدة لتخصصي
بعد الاسبوع الاول في المدرسة الجديدة أدركت أن هذه المدرسة نعمة عظيمة من الله فكل ما فيها يدعو إلى البهجة ( طلاب ومعلمون وأولياء أمور و دور ارضي فقط ومساحة المدرسة الواسعة وملاعبها والبناء القديم الذي يحمل عبق الماضي) عرفت لاحقا انها من أقدم المدارس الابتدائية في الأحساء
ومما زاد من جمال وروعة المدرسة أن طاقمها التدريسي يجمع بين معلمين من كبار السن من نفس اهل القرية وبين معلمين من مناطق أخرى من وسط المملكة وجنوبها وايضا عدد ليس بالقليل من سوريا ومصر وفلسطين والمغرب وغيرهم
هذا التنوع الجميل ساعدني في معرفة الكثير عن طبائع البشر وسلوكياتهم وطريقة تفكيرهم
انتهت السنة الأولى في هذه المدرسة كأجمل سنة يتمناها اي معلم صغير لكن الحياة لا تستمر كما يحب الواحد منا فقد تزايدت شكاوى بعض أولياء الأمور من وجود دورة المياه الخاصة بالطلاب في طرف المدرسة البعيد عن الأعين وقد لاحطت ذلك حال يوم مناوبتي المكلف به
أخبرت مدير المدرسة ان دورة المياه البعيدة تمثل خطرا على طلاب الصفوف الأولية خاصة ان لدينا طلابا كبارا في الصف السادس وبعضهم قد أعاد سنوات في صفه بسبب الرسوب
مدير هذه المدرسة الجديدة يختلف تماما عن مدير مدرستي السابقة فقد كان لايغادر غرفة الإدارة الا نادرا وكان مستوى العلاقة مع معلميه يقارب الصفر بل يندر ان يجتمع معنا كفريق مدرسة سوى اجتماعات باهتة وخاطفة
عدت مرة أخرى للتأكيد على مدير المدرسة ان يجد حلا لدورة المياة التي قد تولد الكثير من المشكلات المتوقعة والتي لا تخفى اي عاقل
لم يكن متجاوبا فعرضت عليه بعض الحلول مثل تكثيف المناوبة أو فرض نظام يمنع بعد الله من وقوع كارثة لكنه هذه المرة عبر عن ضيقه من تدخلي في عمله فقلت لا انا لا اتدخل في عملك لكن البعض من أولياء أمور الطلاب يشعرون بخطورة المشكلة لكنه واجهني بحزم وقال هذا أمر يخص الإدارة فلا تتدخل فيه قلت له صدقني لن اترك الأمر وبما انك
ترفض تماما الخوض في الموضوع فانا أفكر في زيارة مدير التعليم ليجد لنا حلا
قال افعل ماتشاء لا يهمني أحدا فقلت انا لا اهددك لكني كنت أتوقع أنك أول من يتحرك لعلاج المشكلة خاصة أنك المسؤول الأول عن كل شيء في المدرسة وكان واجبا عليك ان تقدر موقفي لا ان تتعامل معه في صورة تدخل في صلاحياتك
ذهبت إلى مدير التعليم وكتبت له خطابا بشأن الموضوع وحاولت قدر الإمكان أن أتجنب الإساءة لمدير المدرسة فرحب بي وأكد لي أنني قمت بواجبي الديني والوطني والأخلاقي
الأهم عندي الان أنني نهاية هذا اليوم سأذهب لمدير التعليم بحثا عن حل فقال افعل ماتشاء فقلت وهذا ما سيحدث بإذن الله تعالى
بعد يومين توافد فريق التحقيق إلى المدرسة وطوال ثلاثة أيام وهم في تحقيق طويل مع مدير المدرسة وفي اليوم الرابع طلبوني في غرفة خاصة وسألوني عن كل شيء وكان مما لاحظته ارتباك احد المحققين وكانه هو من يحقق معه
من الأشياء الطريفة ان المحقق والذي يرأسه قريب المدير المسئول عن نقل المعلمين وزياراتهم الإشرافية قد اخرج لي أوراقا يخاطب فيها المدير بعض المعلمين بضرورة التركيز على المناوبة المكثفة على دورة المياة طينة الذكر وقد ردوا عليه انهم يقومون بدورهم على الوجه المطلوب فضحكت وقلت لو كان الأمر كذلك فلماذا الشكوى
قلت لو كان ذلك حدث هل يمكن أن أخاطب مدير التعليم وأخسر مديري وأضيع وقتي ووقتكم فقال بم تفسر ذلك؟ فقلت هذه الأوراق لم ينشف حبرها هي من صنيع البارحة أو قبل البارحة هي صنيعة الظلام
خرج فريق التحقيق من المدرسة وبدأت رحلة المكر والخصومة من المدير وكنت احاول ألا انساق لاستفزازاته غير الاحترافية رغبة في عدم الدخول معه في مهاترات تصرفني عن عملي
عندما زادت محاولات استفزازه قررت العودة لمدير التعليم لكي يقف عند حده فقابلني مدير التعليم بحفاوة واهتمام غريبين بل قام يتحدث مع حديث الصديق للصديق وانا كنت سعيدا ان يدور بيني وبينه حوار طويل فكان مما قاله لي بعد أن ذكرت له أنني بدأ صبري ينفد من اسلوبه الاستفزازي فقال لي هل تعلم كم سببت لك شكواك ضده لقد خسر مئات الألوف هل تعلم انه كان مرشحا للايفاد إلى دولة الإمارات العربية وبسبب نتائج التحقيق طلبت من المشرف الإداري ان يعطيه تقدير ( مرض) مما فوت عليه الفرصة أن يذهب للامارات
لا أعلم لماذا شعرت ان بين مدير التعليم ومدير المدرسة موقفا وخصومة فقد كان مدير التعليم يتحدث بحماس وسعادة بسبب العقاب الذي ناله ذلك المدير والذي أكمله بنقله من المدرسة
والله لم أكن اتمنى ماحدث له ولم يكن يخطر في بالي ان يتضرر بل كان الهدف معالجة أمر متأكد من حدوث كارثة بسببه خاصة وفي المدرسة بعض الطلاب ذوي السلوكيات الشائنة والذي لاتأمنه ان يهتك عرض احد الصغار الأبرياء من طلاب الصفوف الاولية
مما لا يمكن أن انساه انه اثناء التحقيق دخلت للمستشفى لإجراء عملية جراحية وقوجئت بزيارة قريب المدير وكنت استغرب زيارته لعدم وجود علاقة بيني وبينه لكنه حدثني أثناء الزيارة عن هل لدي رغبة في التنازل عن المعاملة وعندما رفضت قال لي انت شاب صغير والمستقبل أمامك وتستطيع ان تكون وكيلا لأي مدرسة بعد خروجك من المستشفى مباشرة لكني رفضت واستغربت كلامه وتدخله المخزي في الموضوع مع انه ذلك الوقت يعد الرجل الثاني في إدارة التعليم بعد مدير التعليم
تم نقل المدير وجاء بديلا له رجل فاضل من اهل الخير والصلاة والصلاح فشعت المدرسة بالبهجة لكني لاحظت أنه يبالغ في مجاملتي أو لديه حذر زائد مني فكان يقول اي ملاحظة أو خطأ ارجوك أخبرني عنه
كنت متأكدا ان هناك من خوفه مني وفي يوم جلست معه وصارحته قلت أيها العزيز انا هنا معلم تحت ادارتك فأرجو الا يكون في نفسك قلق من جهتي وستثبت لك الأيام طبيعة شخصيتي وان مابيني وبين المدير السابق سوى ذلك الموقف ولو تعامل معه كما يتعامل اي مدير تقليدي فضلا ان يكون متميزا لما أصبح هناك مشكلة
عشت مع هذا المدير سنتين من أروع سنوات التدريس وعندما طلبت النقل للمدرسة التي في قريتي حاول معي أن أتراجع لكنني قلت له أنني حريص ان اكون هناك لقربها الشديد اي المدرسة الجديدة من بيتي بما لا يزيد عن ستين ثانية بالسيارة.
وسلامتكم
لمن يرغب في الاطلاع على تحليل قصة الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني وفهم أبعادها ودلالاتها .. يمكنه قراءة التحليل الكامل من خلال الرابط التالي :
أثر لاينسى
جدة
الأحد ١٩ رمضان ١٤٤٧
٨ مارس ٢٠٢٦

