الانسحاب التوكيدي .. حين تنتصر الرحمة دون أن تُهزم الهيبة 🌴

screenshot ٢٠٢٦٠٢٢٧ ٠٠٥٣٥٥ google


الانسحاب التوكيدي .. حين تنتصر الرحمة دون أن تُهزم الهيبة 🌴
في ليالي رمضان .. حين تخفّ ضوضاء النهار .. وتلين حدّة الصخب .. وتصفو الأرواح في محراب التراويح صفاء الغيث بعد الجدب .. وتستعيد الأجساد عافيتها بخطوات مشيٍ هادئة تحت سماءٍ أقرب ما تكون إلى الدعاء .. كان الدكتور مسفر القحطاني يفتح لنا نافذة من ذاكرته .. نافذةً يدخل منها نور التجربة .. ويخرج منها عطر الحكمة .
لا في قاعة تدريب تضجّ بالتصفيق .. ولا على منصة مؤتمر يعلو فيها التصوير .. بل في مساحة صادقة داخل قروب “مدربات مبدعات” .. حيث تتحول الخبرة إلى أمانة .. والذكرى إلى درس .. والقصة إلى مرآة نرى أنفسنا قبل أن نرى أبطالها .
وفي إحدى تلك الليالي .. جاءت الحكاية… لا لتُروى فحسب .. بل لتُروِّض فينا معنى القيادة .
مشهد عند البوابة
زيارة إشرافية لمدرسة مسائية .. انتهى اللقاء .. وبدأ الانصراف .. وسكن المكان إلا من وقع خطوات مودّعة .. وعند بوابة المدرسة .. معلمٌ يقف ويدخن بشراهة .
المكان مدرسة .. والأعين – وإن لم تكن حاضرة – تظل شاهدة .. فالقدوة لا ترتبط بوجود الطلاب .. بل بحضور الضمير .. ولا تُقاس بكثرة الرقباء .. بل بيقظة القلب .
اقترب منه ناصحًا برفقٍ لا يُهين .. وحزمٍ لا يُجافِي .. كما اعتاد .. فالنصيحة عند أهل الرسالة ليست تدخّلًا عابرًا .. بل مسؤولية حاضرة .. وأمانة ظاهرة .
لكن الرد جاء مختلفًا .. توترٌ في الملامح .. وحدةٌ في الصوت .. وجملةٌ تقطع ما بقي من هدوء ..
“هذا أمر لا يخصك .”
ثم تصاعد الموقف .. واشتدّ الموقف .. حتى بلغت الكلمات حدًّا صادمًا ..
“لن أدخن فقط .. بل سأتناول الحشيش في المدرسة .”
هنا .. تغيّرت طبيعة اللحظة .. وانكشفت حقيقة الاختبار .
لم يعد الحديث عن سيجارة تُطفأ .. بل عن تحدٍّ يُطفئ هيبة المكان .. عن حدود وظيفة .. وحرمة قدوة .. وميزان نظام .
وكان بإمكان المشهد أن يُختتم بمحضرٍ رسمي .. وختمٍ إداري .. وإجراءاتٍ صارمة تُغلق الملف وتفتح أبواب الندم .. ونهايةٍ مهنية قاسية لذلك المعلم .
لكن القصة لم تمضِ في هذا الاتجاه .. لأن القيادة ليست دائمًا أسرع الطرق إلى العقوبة .. بل أقرب الطرق إلى البصيرة .
ما لا يُرى خلف الغضب
حين عاد إلى مدير المدرسة .. تكشّف وجهٌ آخر للحكاية .. وجهٌ لا يُرى في لحظة الغضب .. ولا يُقرأ في نبرة الصوت .
معلمٌ لديه ابنة في السادسة عشرة من عمرها .. تعاني إعاقة شديدة .. سنواتٌ من التنقل بين المستشفيات .. بين رجاءٍ وخيبة .. بين تقريرٍ طبيٍّ وأملٍ يتجدد ثم ينكسر .. قلقٌ دائم .. وخوفٌ مقيم .. وإرهاقٌ صامت لا يظهر في تقارير الأداء .. ولا يُقاس في استمارات التقييم .
أحيانًا لا يكون السلوك تحدّيًا .. بل استغاثةً مكتومة ..
ولا يكون الصوت مرتفعًا .. إلا لأن القلب مثقلًا ..
هنا بدأ التحوّل الحقيقي .
لم يعد أمامنا “معلم أخطأ” فحسب .. بل إنسانٌ أنهكته الحياة .. فتسرّب وجعه إلى كلماته .. وسبق ألمه حكمته .
بين اللوائح والإنسان
استُدعي المعلم .. قيلت الكلمات الحازمة التي تُقيم الميزان .. ورُسمت الحدود بوضوحٍ لا التباس فيه .. وأُبلغ أن ما صدر منه تجاوزٌ لا يُقبل .. وأن للمكان حرمة .. وللمهنة قداسة .
كان الحزم حاضرًا .. والهيبة محفوظة .. والرسالة واصلة .
لكن حين جاء وقت القرار .. جاء الامتحان الأكبر .. امتحان العدل حين يجاوره الإحسان .
قال المدير .. نُثبت محضرًا .. وكان ذلك حقًا نظاميًا .. وإجراءً مشروعًا .
غير أن القرار الذي اتُّخذ لم يكن اعتياديًا .. بل كان استثنائيًا في توقيته .. عميقًا في دلالته .
“لا تكتبوا شيئًا .”
هنا تتجلى فلسفة الانسحاب التوكيدي .
ليس تراجعًا يُفقد المكان هيبته .. ولا خوفًا يُربك الموقف .. بل وعيٌ ناضج بأن العقوبة – وإن كانت عادلة – قد تُثقل كاهلًا مثقلًا أصلًا .. وتزيد جرحًا يحتاج دواءً لا دوامة .
هو أن تقول .. أستطيع أن أُصعّد .. لكنني أختار أن أُصلح ..
أقدر أن أُعاقب .. لكنني أؤثر أن أحتوي ..
أملك السلطة .. لكنني أقدّم الرحمة .
هو أن تُدرك أن النظام وُجد لحماية الإنسان .. لا لسحقه .. ولتقويم السلوك .. لا لتحطيم صاحبه .
القيادة التي تفهم أن اللوائح وُضعت لتحفظ الإنسان .. لا لتثقله .
ليست القيادة نصوصًا جامدة .. ولا توقيعاتٍ متتابعة .. ولا لوائح تُطبّق بلا فقهٍ للسياق .. إنها فهمٌ عميق أن النظام ميزان .. لا سيف .. وأنه جُعل ليحفظ الكرامة قبل أن يحفظ الصورة .. وليقيم العدل دون أن يُميت الرحمة .
القائد الحقّ هو من يُحسن قراءة ما وراء السطور .. ويُبصر ما وراء التصرف .. فيُقيم الحدّ حيث يجب .. ويمنح العذر حيث يُرجى .. ويزن الأمور بميزانٍ لا يختلّ بين صرامةٍ تُقيم .. ورحمةٍ تُرمم .

الانسحاب التوكيدي .. قوة لا يملكها إلا الأقوياء
الانسحاب الهروبي ضعفٌ يُخفي العجز ..
أما الانسحاب التوكيدي فسيادةٌ تُظهر القدرة .
أن تثبت حضورك .. وتُسمِع كلمتك .. وتُشعر الآخر أنك قادرٌ على المضي في الإجراءات حتى منتهاها .. ثم تختار التوقف .. لا عجزًا بل رحمة .. لا ترددًا بل تبصّرًا .
العدل يحفظ المؤسسة من التفكك .. لكن الرحمة تحفظ الروح من الانكسار ..
والهيبة تُصان بالحزم .. لكنها تترسخ بالحكمة .
والقيادة الحقيقية لا تكتفي بحماية اللوائح .. بل تحمي الإنسان الذي يعمل تحتها .. وتُداوي قبل أن تُداني .. وتُصلح قبل أن تُقصي .
لماذا بقيت القصة في الذاكرة ؟
لأنها لم تكن عن سيجارةٍ أُشعلت .. ولا عن جملةٍ قيلت .. بل عن لحظةٍ انتصر فيها الضمير على الانفعال .. وغلب فيها التعقّلُ التعجّل .
الدكتور خرج يومها بمشاعر مختلطة .. حزنٌ لا يُفسَّر .. وشفقةٌ لا تُقال .. وإحساسٌ عميق بأن القيادة ليست قرارًا إداريًا يُكتب .. بل موقفًا أخلاقيًا يُعاش .
وبعد سنوات .. حين التقى مدير المدرسة في أحد المساجد .. كان السلام ممتلئًا امتنانًا .. وكانت النظرة أصدق من خطاب .. كأن الرحمة لا تضيع وإن لم تُدوَّن في محضر .. ولا تُحفظ في أرشيف .
رسالة لنا .. نحن أهل الميدان
كم من موقفٍ مرّ بنا كان يمكن أن يتحول إلى قضية ؟
وكم من إنسانٍ قابلناه .. فرأينا خطأه ولم نرَ ألمه ؟
وكم من كلمةٍ سمعناها .. فحاكمنا ظاهرها وتركنا باطنها ؟
التربية ليست تطبيق لوائح فحسب .. ولا متابعة بنودٍ وحسب .. إنها فقه نفس .. وفهم ظرف .. وبصيرةٌ تُدرك أن البشر لا يُختصرون في لحظة غضب .. ولا يُقاسون بزلة عابرة .
في زمنٍ تتسارع فيه الأحكام .. وتُختصر فيه القصص .. تبقى الرحمة أبطأ .. لكنها أبقى .. وأعمق .. وأصدق أثرًا .
كلمة أخيرة
أقوى القادة ليسوا من يملكون سلطة العقوبة .. بل من يملكون شجاعة التوازن بين العدل والرحمة .. بين النصّ وروحه .. وبين القرار وأثره .
فالعدل يُقيم البناء ويشدّ أركانه .. لكن الرحمة تُبقيه عامرًا ساكنًا في القلوب قبل الجدران .
وهنا يكمن سر القيادة التي تُرضي الله قبل أن تُرضي اللوائح .. قيادةٌ تخشى السؤال يوم العرض الأكبر .. قبل أن تخشى الملامة في تقريرٍ عابر .

أثر لاينسى ..
جدة ..
الجمعة ١٠ رمضان ١٤٤٧
٢٧ فبراير ٢٠٢٦


وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
عدد ماذكره الذاكرون وعدد ماغفل عن ذكره الغافلون .. 🌿

المقالات الموصى بها

2 لا يوجد تعليقات

  1. فاتن بوسبيت

    لافض فوك كلمات أشعلت وتأججت ولامست شغاف القلب والضمير

    1. جزاك الله خيرًا ..
      وشكرًا لمرورك الكريم أستاذة فاتن 🌸

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *