ليست كل الدروس تلقى على المنصات .. ولا كل الحكمة تكتب في الكتب .. بعضُها يقف أمامنا صامتًا .. لكنه يعلّمنا أكثر مما تفعل آلاف الكلمات ..
ثلاثة أماكن فقط .. إن زرتها بقلبٍ حي .. خرجت منها إنسانًا آخر ..
المستشفى ..
هناك تسقط كل ادعاءات القوة .. ترى القوي ممددًا .. والغني ينتظر .. والمتكبر يهمس بدعاء خافت .. في المستشفى نفهم بلا شرح أن الصحة ليست أمرًا عاديًا .. هي نعمة تستنزف بصمت .. ولا يعرف ثمنها إلا حين تسلب .. هناك ندرك أن الحمد لله ليست عبارة عابرة .. بل اعتراف عميق بالعجز والامتنان ..
السجن ..
مكان لا يحتاج إلى خطيب .. مجرد عبور بوابته كاف ليعيد ترتيب مفاهيمك .. تفهم أن الحرية ليست خروجًا ولا حركة .. بل هواء نقي .. واختيار بسيط .. وحق في أن تقول لا ونعم .. السجن يعلمك أن أعظم ما يملكه الإنسان هو أن يكون حرًا .. وأن الحرية قد تفقد بلحظة غفلة .. أو ذنب استهين به ..
المقبرة ..
وهنا يتكلم الصمت بأعلى صوته .. لا أسماء تنادى .. لا ألقاب .. لا مناصب .. أجساد كانت تضحك .. تخطط .. تتباهى .. تخاف .. صارت تحت التراب .. المقبرة لا تخيف بقدر ما توقظ .. تخبرك أن الدنيا ليست وطنًا .. بل ممر .. وأن السقف الذي نظنه بعيدًا .. قد يكون غدًا قريبًا جدًا ..
هذه الدروس الثلاثة لا تحتاج إلى تفسير طويل .. تحتاج فقط إلى قلب يتوقف قليلًا .. وينتبه .. الإيمان هنا لا يأتي بصوت مرتفع .. بل ينساب بهدوء .. في قناعة .. في زهد .. في خوف جميل .. وفي رجاء لا ينقطع بالله ..
من فهم هذه الدروس عاش بوعي .. حمد الله على صحته . .. حفظ حريته .. واستعد لآخرته .. ومن تجاهلها تعلمها يومًا .. لكن بثمن أفدح ..
كثيرون يزورونها بأقدامهم ..
وقليلون فقط يزورونها بقلوبهم .
أثر لاينسى
جدة
السبت ١٢شعبان ١٤٤٧
٣١يناير ٢٠٢٦
🖋 الدروس الصامتة 🖋

