حين تسترد الروح مكانها
هناك لحظة لا تُحدِث جلبة .. ولا تُعلن حضورها بالصوت .. لحظة تمرّ خفيفة على ظاهر الحياة لكنها تقلب باطن الإنسان رأسًا على عقب .. لحظة تشبه ارتجافة خفية في العمق .. كأن الروح تقول أخيرًا: لقد اكتفيت.
قبل تلك اللحظة .. يعيش المرء على نسخة قديمة من نفسه .. نسخة تعتقد أن القوة هي التحمّل .. وأن اللطف هو الإفراط في الرضا .. وأن التنازل المستمر علامة محبة .. بينما الحقيقة أنها كانت نزيفًا هادئًا يرتدي ثوب الحكمة.
كل “لا بأس” قلتها وأنت تتألم .. كانت تُخصم من طاقتك نقطة ..
وكل مرة تجاوزت فيها على حساب سلامك الداخلي .. كنت تفقد شيئًا من ملامحك ..
وكل صمت اخترته كي لا تكسر أحدًا .. كان يكسر شيئًا فيك.
ثم تأتي اللحظة التي لا تُشبه ما قبلها .. لا تأتي غضبًا ولا صراخًا .. بل تأتي بسكون يشبه وعيًا جديدًا .. سكونًا ينسف الطريق القديم دون ضجيج .. لا لتثبت لأحد قوتك .. بل لتستعيد حقك الطبيعي في التنفس.
هذا ليس تمرّدًا ..
وليس انقلابًا على الماضي ..
إنه ببساطة: خروج من النسخة التي تعبت من إصلاح كل شيء إلا نفسها.
نسخة كانت تلطف الحواف .. وتبرر للآخرين .. وتخشى خسارة أحد ..
حتى اكتشفت في النهاية أن الخسارة الكبرى كانت هي نفسها.
حتى تصل في النهاية إلى لحظة تُدرك فيها أن روحك قالت لك بصوت واضح :
لقد حان وقت العودة إليّ .
هناك تبدأ رحلة جديدة .. رحلة تُصَفَّر فيها الوعود المرهِقة .. وتُعاد فيها قراءة كل دور فُرض عليك باسم اللطف .. وتُسقَط فيها الاتفاقات غير العادلة التي استنزفت داخلك بحجة السلام الخارجي .
في هذه المرحلة .. قد تتخيّل أنك تفقد كل شيء ..
لكن الحقيقة أنك تسترد نفسك قطعة قطعة .
تتوقف عن تطويع ذاتك لإرضاء الآخرين ..
وتبدأ في تفعيل حقيقتك لإرضاء الله أولًا .. ثم إرضاء قلبك الذي ظل مهجورًا طويلًا .
إن إعادة التوازن ليست دائمًا جميلة المنظر ..
وأحيانًا يكون الانسحاب هو أرقى أشكال البقاء ..
لأن مَن يعيد ترتيب موازينه لا يتغير ليصبح شخصًا آخر ..
بل يعود ليصبح نفسه أخيرًا .. بدون أقنعة .. بدون صراع .. وبدون خوف .
أثر لاينسى ..
جدة .. الأحد ٢من شهرجمادى الآخرة ١٤٤٧ .. الموافق ٢٣نوفمبر ٢٠٢٥ م .

