الخلسة التي كسرت الصمت

screenshot ٢٠٢٥١١٢١ ٠٠٠٩٤٩ chatgpt

استرقتُ النظر إليه بخفة .. لا تشبه إلا الخوف من أن ينكشف ما تهتف به الروح .. كانت تلك اللمحة كفيلة بأن تهزّ كياني كله .. كأن القلب تعثر فجأة على ملامحه الضائعة .. وكأنني أراه للمرة الأولى بعد غياب طويل لا يُقاس بالزمن .. بل بالشوق

لم أدرِ لماذا ارتعشت أطرافي في تلك اللحظة .. كأن الجسد اعترف بما عجز عنه اللسان .. كأن الروح التي طال صمتها ضاقت بما تحمله من حنين مؤجل .. فانفلتت دمعة .. خجولة أول الأمر .. ثم صادقة كأنها خرجت من أعمق نقطة في صدري

كان حضوره .. حتى من بعيد .. أقرب إلى دفء أعرفه منذ سنواتي الأولى .. شيء فيه يعيد ترتيب الفوضى داخلي .. ويزرع في القلب طمأنينة لا تفهمها الكلمات .. وكلما اقترب .. شعرت بأنني أستعيد جزءًا من نفسي .. جزءًا يعرفني أكثر مما أعرفه .. ويألفني أكثر مما أُظهره للناس

لم يكن الأمر حبًا غريبًا أو تعلقًا لا وجه له .. كان شيئًا أعمق من ذلك .. كان صلة خفية .. رابطًا لا يُفسر .. وامتدادًا لا يُنكر .. كان الحنين الذي لا يحتاج إلى شرح .. ولا يسأل عن أسبابه .. لأنه موجود في القلب كما توجد النبضة في الجسد .. طبيعي .. فطري .. مقدر

أرتجف حين أراه .. ليس ضعفًا .. بل لأنها لحظة تذكرني بمن يكون لي من قرب وسكن .. أبكي بخفية .. ليس حزنًا .. بل لأن بعض اللقاءات تشبه الصلاة .. خشوع داخلي .. وامتنان عميق .. ورهبة تعجز عنها اللغة

يا لتلك اللحظة ..
لحظة النظر إليه دون أن يلحظ .. والروح تفيض بما لا يقال
يا لقلبي كيف يلين ..
وكيف يتماسك ..
وكيف يذوب ..

لو رأى الحجر ما رأيت .. لبكى
ليس لأن الحب موجع .. بل لأن الوفاء حين يقف أمامك حيًا .. يوقظ فيك كل ما ظننته خامدًا

وما بين الخلسة والدمعة .. أدركت أن بعض الأشخاص ليسوا عابرين في حياتنا .. بل هم الحياة حين تعود إلينا بوجه نعرفه .. وصوت نثق به .. وطمأنينة نشعر بها قبل أن نفهمها

وفي كل مرة أراه ..
أشعر أن الله أودع في قلبي شيئًا لا يشبه الدنيا ..
وأن هذا الارتجاف الطاهر ..
ليس سوى أثر سكن قديم في الروح .. يعود كلما حضر صاحبه .

اثر لاينسى
جدة .. ليلة الجمعة ٢٩ من جمادى الاولى ١٤٤٧
٢٠ من شهر نوفمبر ٢٠٢٥ م

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *