الحياة لا تصفو لأحد .. وإن بدت كذلك في ظاهرها .. فإن في طيّاتها دروسًا لا تُدرَك إلا بالقلب الصابر ..
فبين كل عطاءٍ وعطاء .. جرعة من بلاء .. يختبر الله بها صدقنا .. ويهذب بها نفوسنا .. ويُذكّرنا أن هذه الدنيا ليست دار كمال .. بل دار عبور ..
كم من مرةٍ أغدق الله علينا نعمةً ففرحنا بها .. ثم ما لبث أن ابتلانا ليختبر امتناننا وشكرنا ..
وكم من بلاءٍ نزل علينا فظننّاه شقاءً .. فإذا به يحمل في طيّاته عطاءً خفيًّا .. ورحمةً من حيث لا نعلم ..
يا قارئي الكريم .. إن في البلاء لُطفًا لا تراه العيون سريعًا .. لكنه يُزهر في القلب يقينًا حين تصبر .. فكل ألمٍ يزول .. وكل ضيقٍ له أجل .. وكل دمعةٍ إن صبرت عليها .. بدّلك الله بها نورًا في صدرك وطمأنينة لا تشبه شيئًا ..
إن الموفّق حقًا .. هو من يُتقن الصبر في البلاء .. ويُتقن الشكر عند العطاء .. لأن كليهما امتحان .. وإن اختلفت صورتهما ..
فالصبر عبادة الخفاء .. والشكر عبادة الرخاء .. وبينهما يُختبر إيمانك .. ويُعرف مدى تعلقك بالله ..
ولعل أجمل ما في البلاء أنه يُقربك من الله .. يدفعك للسجود أكثر .. للبكاء صدقًا .. للنجوى خفيةً في جوف الليل .. وحينها تشعر أنك لا تحتاج شيئًا سوى رحمته ..
فيا من تمرّ ببلاءٍ خفيٍّ لا يراه الناس .. أبشر .. فإنّ الله معك .. يرعاك .. ويُداريك بلطفه .. ويُهيّئ لك بعد العسر يُسرًا ..
ويا من تنعم بعطاءٍ واسع .. أحمد الله .. وازدد شكرًا .. وكن من الذين لا ينسون المنعم في زمن النعم .. كما لم ينسوه في زمن الألم ..
فالحياة لا تصفو لأحد .. لكنها تزدان لمن عرف كيف يراها بعين الرضا ..
كل عطيةٍ بعدها بلاء .. وكل بلاءٍ بعده عطية .. وبين هذا وذاك .. يعيش المؤمن في مدرسةٍ من الإيمان .. يتربى على الصبر والشكر .. حتى يبلغ من الرضا منزلةً تُغنيه عن كل شيء سواه ..
🕊️ اللهم اجعلنا من الصابرين في البلاء .. الشاكرين في الرخاء .. الراضين عنك في كل حال ..
✍️ بقلم: أثر لاينسى
جدة – مساء الجمعة ٧ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ
الموافق ٩ يناير ٢٠٢٦ م

