الوجه الطفولي😊  .. وفرحة الإنصاف 🌿📖

img 20260415 wa0046



🌿حين تتحول المواقف التربوية إلى دروس خالدة ..


لم أكن أعلم أن ملامح وجهٍ واحد .. ستلخص كل ما حدث في هذا الموقف .

ذلك الوجه الذي بدأ غامضًا .. ثم انتهى بطفولةٍ واضحة تفيض فرحًا ..

ليست كل المواقف التربوية عابرة .. فبعضها يولد صغيرًا ثم يكبر في الذاكرة حتى يصبح درسًا خالدًا .. يختصر معنى العدالة .. ويعيد تعريف قيمة الإنسان داخل الميدان”
في مساءٍ هادئٍ يوشك أن ينسدل على تفاصيل يومٍ حافل .. كان الحديث في أحد القروبات التربوية يحمل طابعًا مختلفًا .. حين حضر ذلك القائد التربوي الذي اعتدنا على حضوره المختلف .. لا يشبه حديثه حديثًا عابرًا .. ولا تمر كلماته مرورًا عاديًا ..
إنه المشرف التربوي الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني حفظه الله .. الذي لا يروي موقفًا إلا ويترك في القلب أثرًا .. وفي العقل سؤالًا .. وفي الميدان درسًا ..
قال بهدوءٍ يحمل بين طيّاته عمق التجربة وصدق الميدان ..
“اسعد الله مساءكم عافية وصحة وسلامة .. اليوم صار لي موقف مع أحد المعلمين ..”
ومن هنا بدأت الحكاية .. حكاية ليست مجرد حدث .. بل مرآة تعكس وجعًا تربويًا خفيًا .. وفرحًا مؤجلًا .. وعدلًا يُستعاد في لحظة إنصاف ..
وكان المشرف التربوي الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني هو صاحب هذا اللقاء والمتحدث فيه .. والذي تولّى سرد الموقف كاملًا .. ثم تدخّل في تفاصيله وأنصف المعلم ووجّه نحو استعادة حقه التربوي .. ليكون شاهدًا على أن في هذا الوطن الغالي 🇸🇦 رموزًا تربوية لا يمرّ أثرها عابرًا .. بل تصنع فرقًا في الميدان .. وتعيد للإنصاف معناه الحقيقي ..
في بعض الأيام لا تأتي الدروس من الكتب ولا من المحاضرات .. بل من نظرة عابرة .. ومن جملة تُقال في لحظة صدق .. ومن قلب لم يعد قادرًا على كتمان ما في داخله ..
وفي بعض المجالس التربوية لا تُقال كل الحقيقة بالكلمات .. بل تُرى في العيون .. وتُفهم من الصمت .. وتُلتقط من ارتباكٍ خفيف في الجلسة أو غيابٍ غير مفسَّر في الملامح ..
في صباحٍ تربوي هادئ اجتمع الدكتور مسفر بعدد من المعلمين في لقاءٍ كان عنوانه “الفهم القرائي” .. لكنه في حقيقته كان مساحة لاختبار الوعي .. وقراءة ما وراء الكلمات .. وما بين السطور من أفكار ومشاعر ..
في بعض اللحظات لا تكون الاجتماعات مجرد تبادل آراء .. ولا تكون الكلمات مجرد نقاشٍ مهني عابر .. بل تتحول إلى مسرحٍ خفي تُكشف فيه الأرواح أكثر مما تُقال فيه الأفكار ..
هناك خلف الملامح الهادئة .. وداخل الصمت الذي لا يلفت الانتباه .. قد يقف إنسان يحمل في داخله حكاية لم تُروَ بعد .. وجرحًا لم يره أحد .. وتعبًا لا يظهر في الأوراق ولا في التقارير ..
وما أصدق ما تكشفه لحظة واحدة .. حين ينطق القلب بعد طول صمت ..
ليس كل صمتٍ حيادًا .. أحيانًا يكون امتلاءً داخليًا بالألم .. وصوتًا لا يُسمع لكنه حاضر في الملامح ..
كان الحديث يتدفق بين الحاضرين والتفاعل واضحًا .. إلا أن عينًا خبيرة لا تفوّت التفاصيل كانت ترى ما لا يُقال ..
كان هناك معلم يجلس بصمتٍ مختلف ..كان وجهه في تلك اللحظة هو أول إشارات الحكاية .. وجهٌ لم يكن يشرح نفسه بالكلام بل بالملامح .
ليس صمت المشاركة بل صمت الانشغال الداخلي .. لم يكن غائبًا جسدًا .. لكنه كان مثقلًا بشيءٍ لا يُقال .. يظهر في لغة الجسد أكثر مما يظهر في الكلمات ..
بعض الصمت ليس تعبًا .. بل تراكم شعور لم يجد من يحتويه .. وكأن في ملامحه شيئًا أثقل من موضوع اللقاء نفسه .. لم يكن غائبًا عن القاعة لكنه كان غائبًا عنها من الداخل .. يحمل شعورًا غير مكتمل يشبه الرغبة في أن يُرى لا أكثر ..
ومع استمرار الحوار اقتربت لحظة الأسئلة الختامية .. فرفع ذلك المعلم يده مترددًا وكأن السؤال لم يُصنع في تلك اللحظة بل كان ساكنًا في داخله منذ زمن ..
قال بصوتٍ يحمل مزيجًا من التحفظ والصدق .. وما زال ذلك الوجه الغامض يتنقل بين الحضور .. وكأنه يحمل قصة لم تُقل بعد ..
“أتذكر أنك كرّمت معلمًا قبل سنوات وأثنيت على طلابه”
ابتسم المتحدث وأجاب .. نعم أذكره ..
ثم انفتحت ذاكرة موقف قديم وتبعها ما لم يكن متوقعًا ..
قال المعلم بصوتٍ أعمق من مجرد حروف .. لم تكن كلماته اعتراضًا صاخبًا .. بل كانت أقرب إلى اعترافٍ داخلي موجع .. كمن يقول .. “أنا هنا .. لكن أحدًا لم يرني كما يجب”
“أنا كنت أدرّس الصف الثاني وهو يدرّس الصف الثالث .. والطلاب الذين حققوا التميز هم في الحقيقة من مرّوا عليّ أولًا لكن التقدير ذهب لغيري”
قال له : تقصد انه قطف الثمرة بدلا منك فقال : نعم
لم يكن في نبرة صوته اعتراض .. بل كان فيها ألم هادئ .. كمن يرى جهده وقد مرّ أمامه دون أن يُلتفت إليه ..
ساد صمتٌ خفيف .. ليس لأن الموقف إداري .. بل لأن الشعور كان إنسانيًا عميقًا ..

حاول أحد الحضور التخفيف قائلاً ..
“يا دكتور .. هذا من أفضل معلمي الصفوف الأولية في القطاع كله”
إن موقف الزميل في إنصاف زميله أمام القيادة يعكس نُبلًا مهنيًا ووعيًا تربويًا راقيًا يجمع بين حب الخير للآخرين .. وشجاعة الاعتراف بالفضل .. وترسيخ ثقافة الاعتراف بدل التنافس الصامت داخل البيئة التعليمية
..
وفي مثل هذه المواقف يظهر الزميل الداعم الذي لا يكتفي بالمشاهدة بل يشارك في بناء بيئة تقدّر الفضل وتُنصف أصحابه ولا يقل دور الزميل عن دور القائد فالكلمة الصادقة من زميلٍ يرى الحق وينطق به في وقته قد تُعيدللإنسان توازنه الداخلي وتمنحه شعورًا عميقًا بالإنصاف .. فالبيئة التربوية لا تُبنى فقط بالأنظمة بل تُبنى أيضًا بثقافة الزمالة الإيجابية الواعية .. حيث يكون الدعم المتبادل والإنصاف المهني جزءًا من وعي الفريق لا استثناءً عابرًا
لكن الكلمة رغم حسن نيتها لم تُطفئ ما في الداخل
وهنا جاء الرد الهادئ ..
“ابشر بالعوض .. ولا يضيق صدرك”
ثم لم يكتفِ بالكلام بل أمسك بيده وكأن المعنى لا يُقال فقط بل يُنقل باللمس أيضًا واتجه به نحو الإدارة
وهنا تتفتح زاوية أعمق من الموقف .. زاوية لا تُرى بالعين لكنها تُحس بالقلب .. تلك التي لا تُرى لكنها تُحرك كل شيء ..
ليس كل معلم يحتاج إلى قرار كبير .. أحيانًا يكفيه تقدير صغير ليعود أكثر حضورًا وأكثر عطاءً وأكثر سلامًا من الداخل ..
هذه المواقف ليست استثناءً بل تتكرر بصور مختلفة في الميدان التربوي ..
وهنا تتكشف واحدة من أهم الحقائق في العمل التربوي ..
أحيانًا لا يُدار المعلم بالنظام فقط بل بـ”لغة الحب المهني” التي تُشعره أن جهده مُلاحظ وأن أثره مُقدّر وأنه ليس مجرد رقم داخل منظومة
أن التحفيز ليس شيئًا ثانويًا .. وأن الكلمة الطيبة ليست مجاملة .. وأن خطاب الشكر قد يبدو بسيطًا لكنه في قلب صاحبه قد يساوي سنوات من الدافع والاستمرار .
فكم من طاقة خمدت لأنها لم تُرَ .. وكم من روح انطفأت لأنها لم تُشجَّع .. وكم من معلم كان يمكن أن يبدع أكثر لو أن أحدًا التفت إلى أثره في الوقت المناسب
وما فعله المشرف التربوي في هذا الموقف لم يكن مجرد تصرف إداري بل كان امتدادًا لمعنى عظيم من معاني الرحمة في الهدي النبوي الشريف حيث قال رسول الله ﷺ
“أحبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ تُدخِلُه على مسلم”
فإدخال السرور إلى قلب إنسان أنهكه الشعور بالغبن ليس خطوة عابرة بل عملٌ عظيم تتجلى فيه إنسانية الموقف قبل إجراءاته .. ورحمة القلب قبل قراراته
ويتأكد هذا المعنى في قوله ﷺ
“من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”
وكأن في ذلك إشارة خفية إلى أن تفريج الهموم وإعادة الطمأنينة إلى النفوس من أعظم أبواب الأجر وأوسعها أثرًا ..
وهكذا يتحول الموقف من إجراء تربوي إلى قيمة إنسانية راقية .. تجمع بين العدالة والرحمة .. وتعيد للإنسان توازنه الداخلي بكلمة أو موقف أو إنصافٍ في وقته ..
هناك لم يكن الموقف بحاجة إلى نقاش طويل بل إلى إنصاف بسيط ..
طُلب من المدير أن يُمنح المعلم خطاب شكر بأثر رجعي كتقدير لتجربته وجهده وبناءً على توصية المشرف المختص ..
كان الطلب بسيطًا في شكله لكنه كبير في أثره ..
والمدير في موقف يعكس وعي القيادة حين تكون حاضرة قال بهدوء إيجابي ..
“لن يخرج من المكان إلا ومعه ما يفرحه بإذن الله”
وهكذا وبدون ضجيج تحوّل الموقف من شعورٍ بالغبن إلى مساحة إنصاف .. لأن التربية لا تقوم فقط على التعليم بل على إدراك الأعماق الخفية في النفس الإنسانية ..
لكن اللحظة الأهم لم تكن في الورق الذي سيُكتب بل في وجه المعلم نفسه ..
فقد تغيّر تمامًا كأن ثقل السنوات قد انزاح دفعة واحدة .. وظهرت فرحة صافية طفولية .. تلمع في عينيه تعيد له شيئًا من ذاته التي أرهقها الصمت طويلًا ..
في تلك اللحظة لم يكن الأمر شهادة شكر فقط بل رسالة غير معلنة أن الإنسان حين يُنصف في وقته المناسب يعود إليه جزء من نفسه التي فقدها ..
ويختم صاحب الموقف بتأملٍ تربوي عميق ..
إن بعض المطالب قد تبدو صغيرة في نظر الإدارة لكنها عند أصحابها قد تعني حياة كاملة من الرضا أو الانكسار .. لذلك فإن فهم “لغة الاحتياج الإنساني” داخل بيئة العمل لا يقل أهمية عن فهم المناهج والمهارات ..
فالمعلم ليس رقمًا في نظام .. بل إنسان يحمل مشاعر وقد يبقى أثر كلمة أو تقييم ممتدًا لسنوات ..
ومن هنا تأتي قيمة التعزيز ليس كإجراء إداري بل كفنٍّ إنساني يعيد ترتيب الداخل ويمنح الإنسان طاقة جديدة للعطاء بدل الانكماش ..
كم من قلبٍ في بيئاتنا المهنية ينتظر فقط أن يُقال له بصدق ..
“نراك .. ونقدّر ما تفعل”
فحين يُنصف الإنسان في شعوره لا تُرمم وظيفته فقط بل يُرمم قلبه أيضًا ..
وهكذا ينتهي الموقف لكن أثره يبقى سؤالًا مفتوحًا ..
كم من معلمٍ أو موظفٍ أو إنسان ينتظر فقط كلمة إنصاف صغيرة لكنها بالنسبة له تساوي كل شيء ؟

وتبقى بعض المواقف أكبر من أن تُروى مرة واحدة .. لأنها حين تُكتب بصدق تصبح شاهدة على جمال الإنسان حين يُنصف .. وعلى عظمة الأثر حين يُقال في وقته .. وعلى نقاء الميدان حين يُدار بروحٍ تعرف قيمة الكلمة قبل القرار ..
ولمن أراد أن يعيش تفاصيل هذا الموقف كما رواه صاحبه بصدقٍ وعمق .. فإليكم رابط القصة كما كتبها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني حفظه الله .. حيث تكتمل الصورة .. ويُرى المشهد من زاوية أوسع .. ويُدرك المعنى كما خرج من قلبه أول مرة ..



أثر لاينسى
جدة
الاربعاء ٢٧ شوال ١٤٤٧
١٥ ابريل ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *