🐌 الوحل … حين تختلط السلطة بالضمير ..
أهلاً بك أيها القارئ حيثما كنت .. في رحابِ الكلمةِ .. وحكاياتِ النفوسِ .. ورسائلِ التربيةِ التي تلامسُ أوتارَ القلبِ وتفتحُ آفاقَ العقلِ .
اليوم .. نشارككم رحلةً فريدةً .. قصةً لا تروى فقط .. بل تُعاش وتُستلهم .. قصةً تعكسُ قيمًا عميقة .. وتُسلّط الضوءَ على أبعادِ العمليةِ التربويةِ .. من منظورِ رائدٍ في هذا المجالِ .. الدكتور الفاضل مسفر بن ناصر القحطاني .. حيث تتجسد في حكايته ملامح المربي الذي يمشي بين الناس بقلبه قبل خطواته .. ويحمل الرسالة قبل أن يحمل الموقف .
عنوانٌ يشي بالكثيرِ :
” الوحل ” … هكذا أعلنَ الدكتور القحطاني .. في تمام الساعة الخامسةِ وخمسين دقيقةً فجرًا .. عبرَ قروبِ مدرباتِ مبدعاتٍ .. عنوانَ حكايةِ اليوم .
عنوانٌ يحملُ في طياتِهِ معانٍ عدةٍ .. ويثيرُ الفضولَ .. ويُهيّئ النفسَ لاستقبالِ قصةٍ تحملُ الكثيرَ من العبرِ والدروسِ .. وكأن الاسم ذاته كان مفتاحًا لدخول عالمٍ تتداخل فيه التربية مع الإنسان .. ويتصارع فيه الضمير مع ظروف الواقع .
توقيتٌ يعكسُ عمقاً :
في توقيتٍ غيرِ معتادٍ .. حكى الدكتور القحطاني حكايتَهُ .. بعد صلاةِ الظهرِ .. تحسباً للعشرِ الأواخرِ من شهر رمضان المبارك .. حين تميل النفوس إلى الصفاء والخلوة .. وتتسابق الأرواح إلى عبادةٍ تشعر معها أن الزمن نفسه يهدأ احترامًا لخشوع القلب .
كان حرصه على تجهيز مواقفه مبكرًا صورةً أخرى من صور المسؤولية .. وكأن العطاء عنده لا ينبغي أن ينقطع حتى لو تزاحمت الأيام .. فالمربي الحقيقي لا يترك رسالته رهينة للظروف المتغيرة .. بل يحاول أن يصنع من وقته مساحةً ثابتةً للخير .
في هذا المقالِ .. سنسعى جاهدينَ إلى تحليلِ هذه الحكايةِ .. واستخراجِ القيمِ والرسائلِ التربويةِ التي تحملُها .. لأن الحكاية هنا ليست مجرد سردٍ لواقعة .. بل رحلة تأمل في معنى التربية حين تتحول إلى سلوك إنساني نبيل .
الشجاعةُ في قولِ الحقِ :
عندما أنهى الدكتور دراسته الجامعية جاء تعيينه بعد أقل من شهرين .. وكان المكان مدرسة مسائية يبدأ دوامها بعد الظهر وينتهي قريبًا من المغرب .
لكن شيئًا ما كان يثقل النفس تجاه ذلك التوقيت .. فقد كان شعور الكآبة يلازمه كلما اقترب من ساعات المساء .. حتى بعد أن أصبح مشرفًا تربويًا .
وكان قلبه يميل إلى الصباح .. حيث النشاط والبركة .. مصداقًا لقول النبي ﷺ :
” بُورك لأمتي في بكورها “.
فالصباح في رؤيته لم يكن مجرد وقت .. بل حالة روحانية يشعر فيها الإنسان أنه أقرب إلى الحياة وأكثر انسجامًا مع نفسه .. فالنفس حين تعمل في الوقت الذي ترتاح إليه لا تعيش صراعًا داخليًا مع الجهد المطلوب منها .. بل تتحول إلى طاقة إنتاج وعطاء .
ولهذا قرر الذهاب إلى قسم نقل المعلمين .. حيث وجد المسؤول عنه محاصرًا بكومة من الأوراق .. كأن العمل الإداري في تلك اللحظة كان غارقًا في ثقل التفاصيل اليومية .
سأله عن طلبه .. فقال إنه يريد التخلص من الدوام المسائي .. ليس تمردًا على النظام .. بل بحثًا عن التوافق بين طبيعته النفسية وطبيعة عمله .
فسأله المسؤول : هل لديك استعداد للذهاب إلى المدرسة الفلانية ؟
وكانت مدرسة تبعد عن بيته ثلاثة كيلومترات فقط .. وصباحية أيضًا .
وافق الدكتور شكرًا وامتنانًا ..
وقال : سأكون ممتنًا لو تم نقلي إليها ..
ففي هذا القول تواضع الباحث عن الخير دون تعقيد أو إلحاح .
وفي اليوم التالي استلم خطاب النقل .. وغادر إلى مديره في المدرسة المسائية .
قرأ المدير الخطاب .. فظهر الضيق في وجهه رغم أنه كان شابًا نشيطًا مفعمًا بالحيوية .. وكانت العلاقة بينهما قائمة على الاحترام والجدية .. وكأن الموقف كان اختبارًا صغيرًا لقدرة الإنسان على قبول التغيير دون أن تتحول المشاعر المهنية إلى صراع شخصي .
بعد سنوات، التقى الدكتور بذلك المدير .. لكنه وجده قد فقد بصره نتيجة حادث .. وتحول إلى معلم في مدرسة أخرى .
حين دخل غرفة الإدارة وسلّم عليه .. عرفه المدير من صوته .. فتعانقا بحرارة .. واستعادا ذكرى تلك الأيام القصيرة التي لم يكن يعكر صفوها سوى ثقل التوقيت المسائي في النفس .
وهنا يطل درس عميق .. وهو أن المواقف المهنية قد تترك أثرًا إنسانيًا لا يمحوه الزمن .. وأن الخصومة التي تبقى داخل حدود القضية أقل ألمًا من الخصومة التي تمس روح الإنسان وكرامته .
انتقل الدكتور إلى المدرسة الصباحية الجديدة .. التي كان مديرها على صلة قرابة بمسؤول النقل .. وكانت المدرسة في حاجة ماسة إلى تخصصه .
وما إن مضى الأسبوع الأول حتى أدرك أن انتقاله كان نعمة عظيمة .. فكل شيء في المدرسة كان يبعث على البهجة: الطلاب .. والمعلمون .. وأولياء الأمور .. واتساع المساحة .. ووجود الملعب .. والبناء القديم الذي يحمل عبق الماضي .. إذ كانت المدرسة من أقدم المدارس الابتدائية في الأحساء .
وكان جمال المدرسة لا يكمن في جدرانها فقط، بل في تنوع طاقمها التعليمي .. فقد ضم معلمين كبارًا من أهل القرية .. ومعلمين من مناطق مختلفة من المملكة .. إضافة إلى معلمين من سوريا ومصر وفلسطين والمغرب وغيرها .
وهذا التنوع الثقافي أتاح له فرصة فريدة لفهم طبائع البشر وأنماط تفكيرهم وسلوكهم .. فالتعليم لا ينمو في بيئة الأحادية .. بل يزدهر حين تتجاور الخبرات المختلفة في فضاء الاحترام والعمل المشترك .
لكن الحياة لا تستمر دائمًا على صورة الجمال التي نحبها .
فقد بدأت تتزايد شكاوى بعض أولياء الأمور بسبب وجود دورة المياه الخاصة بالطلاب في طرف المدرسة البعيد عن الأعين .. وهو أمر لاحظه الدكتور أثناء مناوبته المكلف بها .
وكان يرى أن دورة المياه البعيدة تمثل خطرًا على طلاب الصفوف الأولية .. خاصة مع وجود طلاب كبار في الصف السادس وبعضهم أعاد سنواته الدراسية بسبب الرسوب .
وكان في داخله يقين أن التربية ليست مجرد تعليم القراءة والكتابة .. بل حماية الطفل جسديًا ونفسيًا .. فالمعلم ليس ناقل معرفة فحسب .. بل عينًا تحرس الطفولة من المخاطر الظاهرة والخفية .
أخبر مدير المدرسة بذلك .. واقترح حلولًا عملية مثل تكثيف المناوبة أو وضع نظام يمنع وقوع ما قد يتحول إلى كارثة إنسانية .
لكن المدير لم يتجاوب .. بل أبدى ضيقًا من تدخل الدكتور في العمل الإداري .. فبيّن له أنه لا يتدخل في صلاحياته .. وإنما ينقل قلق أولياء الأمور وخطورة الموقف .. فالمسؤولية الأخلاقية أوسع من حدود المنصب .
ثم قال له بصراحة هادئة : إن لم يُحل الأمر فسأذهب إلى مدير التعليم .
فأجابه المدير : افعل ما تشاء .
لم يكن الموقف تهديدًا .. بل كان موقفًا مسؤولًا تجاه قضية تربوية تمس سلامة الطلاب .. فالدفاع عن المبدأ لا يعني الرغبة في الصدام .. بل يعني الثبات على الحق مع احترام الجميع .
ذهب الدكتور إلى مدير التعليم وكتب خطابًا حول الموضوع .. محاولًا تجنب الإساءة إلى مدير المدرسة .. فاستقبله المدير الأعلى بترحيب واعتبر ما قام به واجبًا دينيًا ووطنيًا وأخلاقيًا .. لأن حماية الإنسان أسمى من مجاملة الخطأ .
بعد ذلك بدأت إجراءات التحقيق .. حيث حضر فريق التحقيق إلى المدرسة .. واستمر التحقيق ثلاثة أيام مع مدير المدرسة .
وفي اليوم الرابع طُلب الدكتور إلى غرفة خاصة .. وسُئل عن كل التفاصيل .
وكان مما لفت انتباهه ارتباك أحد المحققين .. وكأنه هو من كان موضع التحقيق لا من يجريه .. وكأن الحقيقة حين تكون واضحة تضعف أمامها احتمالات الشك .
ومن الطرائف التي ذكرها أن أحد المحققين عرض أوراقًا تخاطب المدير بضرورة تكثيف المناوبة حول دورة المياه .. فضحك الدكتور وقال : لو كان الأمر كذلك فلماذا وُجدت الشكوى ؟
ثم قال عبارة عميقة : هذه الأوراق لم ينشف حبرها .. هي صنيعة الظلام .. في إشارة إلى أن القرارات التي تولد في بيئة غير شفافة تظل تحمل ظلالها مهما حاول الزمن إخفاءها .
وفي تأمل أعمق لهذه الحكاية .. يمكن للقارئ أن يلمس حقيقةً تربويةً نادرة .. وهي أن العمل التربوي ليس مجرد ممارسة مهنية يومية .. بل هو مساحة اختبار للضمير الإنساني قبل أن يكون ساحة تنفيذ للأنظمة والإجراءات .
فالتربية حين تبتعد عن روح الإنسان تتحول إلى أدوات جامدة .. أما حين تتنفس معنى الأخلاق فإنها تصنع من المواقف الصغيرة تاريخًا طويلًا من القيم .
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن صاحبها لم يكن يبحث عن انتصار شخصي .. ولم يكن يرى القضية معركة لإثبات الذات .. بل كان يرى أن سلامة الطفل أسبق من رضا المنصب .. وأن حماية الضعيف أرفع من حسابات المكاسب والخسائر .
فالقائد التربوي الحقيقي ليس من يملك السلطة فقط .. بل من يملك القدرة على أن يقول: لا، حين يهدد الخطأ كرامة الإنسان أو أمنه .. دون أن تتحول كلمة الرفض إلى قطيعة مع روح الاحترام .
كما أن هذه التجربة تكشف أن النزاهة ليست موقفًا عابرًا .. بل نمط حياة .. وأن الصدق حين يسكن القلب ينعكس هدوءًا في القرار وثباتًا في السلوك .. مهما تبدلت الظروف أو تعقدت المسارات .
إن المربي الذي يحمل رسالته بصدق يشبه الأرض الطيبة .. قد تتعرض للعصف .. لكنها تبقى قادرة على إنبات الخير حين يهدأ الريح .
بعد انتهاء التحقيق .. خرج الفريق من المدرسة .. وبدأت مرحلة من الخصومة والاستفزاز من المدير، لكن الدكتور حاول ألا ينساق إلى المهاترات حتى لا يضيع وقته عن عمله، فالقيمة الحقيقية للمربي أن يحفظ وقته وعمله من الضجيج .
وعندما زادت محاولات الاستفزاز .. قرر العودة إلى مدير التعليم مرة أخرى .
وكان مدير التعليم يتحدث معه كصديق لصديق .. حتى قال له شيئًا صادمًا :
هل تعلم أن شكواك ضده كلفته خسائر مالية كبيرة ؟
فقد كان مرشحًا للإيفاد إلى دولة الإمارات العربية .. لكن نتيجة التحقيق جعلت المشرف الإداري يكتب له تقدير «مرض» .. مما حرمه من الفرصة .
لم يكن الدكتور يتمنى أن يتضرر ذلك المدير، ولم يكن هدفه إلا منع كارثة محتملة .. خاصة أن المدرسة تضم طلاب الصفوف الأولية الذين لا يمكن تجاهل أمنهم، فالمبدأ حين يكون إنسانيًا يجب أن يحفظ الجميع بقدر الإمكان .. دون أن يتحول الدفاع عن الحق إلى رغبة في إيذاء الإنسان .
ومن المواقف التي لا يمكن أن ينساها أنه أثناء التحقيق دخل المستشفى لإجراء عملية جراحية .. فزاره قريب المدير وعرض عليه التنازل عن المعاملة مقابل وعود مستقبلية، لكنه رفض .
وقال له : لا أقبل التدخلات المخزية في موضوع مهني يمس سلامة الأطفال .. فالقيم لا يمكن أن تكون موضوع مساومة ..
ثم تم نقل المدير .. وجاء بديل عنه رجل صالح من أهل الخير والصلاة .. فشعرت المدرسة بالبهجة .. رغم أن هذا المدير الجديد كان يظهر حذرًا زائدًا من الدكتور .. وكأن التجربة السابقة تركت ظلالها في النفس .
فجلس معه الدكتور وصارحه قائلاً : أنا هنا معلم تحت إدارتك .. فلا يكن في نفسك قلق مني، وستثبت الأيام طبيعة شخصيتي .. فليس بيني وبين المدير السابق سوى ذلك الموقف .
وعاش الدكتور سنتين من أروع سنوات التدريس .. حتى طلب النقل إلى المدرسة القريبة من قريته .. التي لا تزيد المسافة بينها وبين بيته عن ستين ثانية بالسيارة .. وكأن الرحلة الطويلة في الحياة انتهت لتستقر الروح عند عتبة المكان الذي تشعر فيه بالأمان .
وفي سياقٍ آخر من التأمل في هذه التجربة .. يحرص الدكتور القحطاني على التأكيد أن ذكر مثل هذه المواقف لا يأتي بدافع إبراز الذات أو تصويرها في صورة الحكمة الدائمة .. فالحياة المهنية – كما يقول – ليست سلسلةً من المواقف الصائبة دائمًا، بل هي تجربة إنسانية يختلط فيها الصواب بالخطأ .. ويقع الإنسان أحيانًا في تقديراتٍ لم يكن ليتخذها لو تبدلت الظروف أو تغيرت اللحظة .
ولهذا فإن ما يُروى من المواقف ليس المقصود به التفاخر أو طلب الإطراء .. وإنما الغاية منه أن تكون التجربة مادةً للتعلم والاستفادة .
فالمواقف التي يمكن أن تنفع الآخرين هي التي تستحق أن تُروى .. أما المواقف التي لا تحمل فائدةً تربويةً واضحة فربما يكون الأولى تركها .. لأن الهدف من السرد هو نقل الخبرة لا استعراض التجربة .
ومن هنا يوجّه رسالة مهمة إلى مديري ومديرات المدارس .. مفادها أن القائد التربوي الحكيم هو من يُحسن الاستماع للنصح .. مهما كان مصدره أو سنّ صاحبه أو موقعه الوظيفي .
فالمشكلة التربوية قد تبدأ ملاحظةً صغيرة يذكرها أحد المعلمين .. لكنها إذا أُهملت قد تتحول إلى أزمةٍ حقيقية تمس سلامة الطلاب أو استقرار البيئة المدرسية .
كما تكشف هذه التجربة جانبًا آخر من الواقع الإداري، وهو أن بعض المشكلات قد تتعقد بسبب المجاملات أو محاولة تبرير الخطأ بعد وقوعه .. فينشأ ما يمكن تسميته بـ”وحل الإجراءات” .. حين تتداخل المصالح أو الحسابات الشخصية مع القرار الإداري . وهنا تظهر أهمية النزاهة والوضوح .. لأن سلامة الطلاب وكرامتهم يجب أن تبقى فوق كل اعتبار .
ويرى الدكتور القحطاني أن عرض مثل هذه المواقف ليس جديدًا في منهج التربية .. فالقرآن الكريم نفسه زاخر بالقصص .. لأن القصة من أعظم الوسائل التعليمية تأثيرًا في النفس البشرية .
فحين يقرأ الإنسان قصة نبي من الأنبياء، أو موقفًا من مواقف التاريخ، فإنه لا يتلقى معلومة فحسب .. بل يعيش تجربةً كاملة من العبر والدروس .
ولهذا فإن نقل الخبرات الواقعية في الميدان التربوي يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتبادل التعلم وتوسيع الوعي المهني بين التربويين .
ومع ذلك يؤكد أن كل رواية للموقف تظل مرتبطة بزاوية النظر التي يروي منها صاحبها الحدث .. فقد يرى الإنسان نفسه مصيبًا في موقفٍ ما، بينما لو استُمع إلى الطرف الآخر ربما ظهرت جوانب مختلفة من القصة .
وهذه الحقيقة تذكرنا بأن العدل في الحكم على الأحداث يتطلب دائمًا سماع أكثر من صوت .. وأن الإنسان مهما حاول أن يكون منصفًا فإنه يظل بشرًا تحكمه تجربته ورؤيته الخاصة .
ولهذا فإن الهدف من هذه الحكايات ليس إصدار الأحكام بقدر ما هو فتح باب التأمل والتعلم، حتى تتحول الخبرة الفردية إلى معرفة مشتركة يستفيد منها المعلمون وقادة المدارس في مواجهة المواقف التربوية المختلفة بحكمةٍ واتزان .
أيها القائد التربوي .. أيتها المعلمة الفاضلة ..
التربية رسالة نور تمشي بين الناس بهدوء .. لكنها تترك في الحياة أثرًا لا يزول .. ليست القيادة التربوية ابتعادًا عن التحديات .. بل ثباتٌ على المبدأ وسطها .. حيث تُحفظ كرامة الإنسان قبل أن تُحفظ المصلحة .. ويُصان الضعيف قبل أن يُحاط النفوذ .
قد يظن البعض أن الوحل هو ما يعلق بالأقدام .. لكن التجربة تُعلّمنا أن الوحل قد يكون ضغطًا نفسيًا أو تعقيدًا إداريًا أو تداخلًا بين المصالح .. غير أن القائد التربوي الحقيقي ليس من يهرب من التحديات .. بل من يسير فيها بثبات وضمير حي .. يحمي الحق دون أن يكسر قلب إنسان .. ويحفظ القيمة دون أن يجرح كرامة أحد .
لتكن المدارس جسور رحمة .. ولتكن القرارات مساحة أمان للضعيف قبل أن تكون مساحة نفوذ .
لأن الطفل الذي ينام مطمئنًا .. والمعلم الذي يعمل بسلام .. هما أجمل ثمار التربية الصادقة .
وإذا كتبت التربية تاريخها يومًا .. فستقول إن المدرسة التي انتصرت فيها الكرامة قبل الخصومة .. والمبدأ قبل المصلحة .. هي المدرسة التي تصنع المستقبل دون أن تؤذي روح الإنسان .
وهكذا تبقى رسالتنا الخالدة أن نبني الإنسان قبل كل شيء .. وأن نجعل من التربية نورًا يمشي في دروب الحياة مهما كثرت الظلال .
لمن يود أن يعيش تفاصيل القصة في أجوائها الأصلية .. ويقرأها كما رواها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بكل صدق وعمق .. ويطالع الموقف كما وقع دون تغيير .. فليصل إلى الرحلة الكاملة عبر الرابط التالي :
أثر لاينسى
جدة
الأحد ١٩ رمضان ١٤٤٧
٨ مارس ٢٠٢٦

