✨ الغارق في النرجسية
حين تتعرى النفس أمام مرآة القيادة
في صباحٍ يميل إلى الهدوء .. حيث كانت الخامسة والنصف فجراً كأنها فسحة تأملٍ صامتة بين الليل والنهار قبل أن يستيقظ العالم .. أطل الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني على قروب «مدربات مبدعات» معلنًا عنوان موقفه القادم: « الغارق في النرجسية » .
وكان في العنوان ما يوقظ السؤال قبل أن يولد الجواب .. فالنفس البشرية تميل بطبعها إلى فهم الإنسان قبل الحكم على سلوكه .. لأن القصة الحقيقية في التربية ليست في الخطأ ذاته .. بل في الجذور التي أنبتته في التربة الخفية للروح .
ثم جاءت المفاجأة اللطيفة التي صاغتها الأخت المبدعة الأستاذة سارة الحربي .. حين ذكّرت القروب بوجود تنبيه بصري رقيق للحكاية .. ساعةٌ حمراء تشبه منارة صغيرة تشير إلى موعد التأمل .. وكأنها تقول: انتبهوا .. فهنا تبدأ الحكاية لا المتعة فقط .. بل المعرفة.
ومما أضفى على الموقف جمالاً روحياً أن الدكتور لم يسرد حكايته في توقيتٍ عادي .. بل اختار بعد صلاة الجمعة أن يفتح باب الموقف .
ومن جميل ما أشار إليه الدكتور أنه كتب موقفه مبكرًا لاحتمال انشغاله بمناسبةٍ دعِي إليها .. فكان في ذلك دلالة على حرصه على ألا ينقطع أثر العلم .. وأن يمتد العطاء حتى في لحظات الارتباطات الاجتماعية .. وكأن المعرفة عنده رسالة لا يوقفها ظرف .
وما أبهى الجمعة في وجدان المسلم .. يومٌ يشبه عيداً صغيراً في أسبوع الحياة .. ودعوةٌ لا تُرد إن صدقت القلوب وتوجهت إلى الله بخشوع .
وفي هذا المقام نسأل الله دعاءً يليق بمن أفنى وقته في نشر العلم والخبرة دون انتظار جزاء أو شكور .
اللهم بارك للدكتور مسفر في علمه وعمله .. واجعل ما يقدمه نوراً يمتد أثره في قلوب المعلمات والمديرات والمدربين .. واجعل كلماته زاداً لكل متعلم .. وسكينةً لكل باحث عن طريق الحكمة .. اللهم كما علّم بغير منٍّ فزد أثره .. وكما أعطى بغير انتظار فاجعل العطاء يفيض في ميزان حسناته .. واكتب له القبول في الأرض والسماء .. يا رب العالمين .
قال الدكتور إن الشخصية النرجسية شخصية صعبة بطبعها .. لأن جوهرها يقوم على شعور عميق بالاستحقاقية .. وكأن العالم يجب أن يدور في فلكها وحدها .
فالنرجسي يرى نفسه مركز الصورة .. ويحب أن يُعامل معاملة خاصة .. ويغرق في الإحساس بتفرده وأفضليته على غيره .
وما أشد حساسية هذه الشخصية للنقد .. فالنقد عندها لا يُقرأ بوصفه تصحيحاً للخطأ .. بل يُشعرها بنقصٍ داخلي تحاول إخفاءه خلف قناع القوة .
ومن أعجب ما في هذه النماذج أن الحسد قد يتسلل إلى سلوكها دون أن تشعر .. فلا تطيق أن ترى ثناءً على غيرها .. أو إنجازاً لزميل .. إلا حاولت أن تشوش على الضوء الذي يحيط بغيرها .
إنها شخصية تلتف حول من يغذي حاجتها للإعجاب .. وتتحدث كثيراً عن الكمال والجمال والقوة .. وكأن الصفات العظيمة لا ينبغي أن تسكن إلا صورتها وحدها .
ومن الجميل أن يتأمل القارئ بعض العلامات التي قد تقترب من ملامح الشخصية النرجسية .. لا بقصد التشخيص أو الوصم .. بل بقصد الوعي والفهم .. فالمقال هنا نافذة إدراك لا ساحة حكم .
فمن علامات النرجسية التي قد يلحظها المتابع .. الميل إلى نقد الآخرين بأسلوب ساخر أو لاذع .. والشعور الداخلي بالاستحقاق الاستثنائي وكأن للذات حقاً خاصاً يميزها عن غيرها .. إضافة إلى الحساسية المفرطة تجاه النقد مهما كان بنّاءً.
ومن سمات هذا النمط أيضاً الشعور بالعظمة أو التفوق .. والانشغال المفرط بأفكار الإنجاز والتميز الشخصي .. مع نزعة إلى تمثيل أدوار متعددة لإظهار صورة مثالية أمام المحيط .. حتى لو كان ذلك على حساب الصدق الداخلي .
وقد يظهر النرجسي أحياناً في صورة مزدوجة .. وجهٌ اجتماعي ساحر قادر على التأثير .. ووجهٌ آخر قد يميل إلى المبالغة في تفسير الأحداث أو تأويلها بما يخدم صورة الذات .
ومن المهم التمييز بين النرجسية المرضية والنرجسية الصحية التي تدفع الإنسان إلى الثقة المتوازنة بالنفس والسعي إلى الإبداع دون انتقاص من الآخرين .. فليس كل اعتزاز بالذات نرجسية مذمومة .. كما أن الإبداع لا يعيش في ظل الإلغاء الذاتي أو الانكسار النفسي .
ولهذا يمكن للمعلمين والمعلمات والمديرين والمديرات والآباء والأمهات أن ينتبهوا إلى هذه المؤشرات دون تعجل في الحكم .. فالفهم أسبق من الاتهام .. والوعي النفسي أعمق من التوصيف السريع .
وفي الميدان التربوي كان هذا المدير يؤدي أعماله الروتينية بشكل جيد .. فلا يظهر عليه تقصير واضح في واجباته الرسمية .. لكن الروح الإدارية ليست أوراقاً فقط .. بل سلوكٌ إنساني ينعكس على المحيط كله .
فالقيادة ليست إنجازاً ظاهرياً فحسب .. بل هي أثرٌ يمتد في نفوس العاملين .. واحترامٌ متبادل .. وحفظٌ لهيبة العمل التربوي .
وحين كثرت الشكاوى والملاحظات .. اجتمعت اللجنة المعنية بمعالجة السلوكيات .. وكان الدكتور جزءاً من هذا التقييم بوصفه ممثلاً للتحقيق والمناقشة
فتمت دراسة المشكلة من جذورها لا من سطحها .. لأن معالجة الشخصية ليست معالجة أوراق .. بل فهمٌ للبنية النفسية والسلوكية التي تحركها .. ثم عُرضت الملاحظات المرصودة عليه .. واختُصرت بعد المراجعة إلى عدد محدود من النقاط .. حتى يكون الحوار مركزاً وعميقاً .
وكان من أبرز ما واجهه في اللجنة أن رئيسها ذكر أن عدداً من المشرفين التربويين لم يعد يرغب في زيارة المدرسة بسبب سلوكيات المدير .. فوقع الخبر على الرجل كالصاعقة .. وحاول التماسك رغم ارتباكه الداخلي .
وفي مرافعة الموقف .. طُرحت الحقيقة بصراحة تربوية واضحة .. أن القيادة التي تُشغل الإدارة بمشكلات سلوكية مؤذية قد تتحول من رسالة تعليمية إلى عبء على الميدان نفسه .. وأن حماية الطلاب والمعلمين أولوية تتقدم على نزعات التفرد أو الشعور بالأهمية الزائفة .
ومن مواقفه أيضاً ما حدث حين وصف مشرفاً تربوياً بالجهل في عمله .. متعللاً بأن هذا المشرف كان طالباً عنده سابقاً .
وهنا وقف الخطاب التربوي عند نقطة جوهرية .. المعرفة لا تمنح صاحبها حق التقليل من الآخرين .. فالعلم الحقيقي يورث التواضع لا التعالي .
وعندما عاتب الدكتور هذا السلوك .. أكد أن كون الشخص معلماً سابقاً للمشرف لا يبرر الانتقاص من قيمته أو مكانته المهنية .. فالقيادة الرشيدة تقوم على احترام الإنسان أولاً .. ثم احترام العمل ثانياً .
ومن المشاهد اللافتة أيضاً أن اللجنة قامت باختيار عدد من مديري المدارس المتميزين في الصفوف الأولية لتكريمهم في احتفال خاص .
فتم التكريم .. لكن المدير الغارق في النرجسية لم يحتمل أن يرى أسماء الآخرين تتلألأ في الضوء دون أن يكون بينهم .
فجاء غاضباً محتجاً بأن اللجنة ظلمته أو تجاهلته .
وعندما طُلب منه بطريقة رمزية أن يكتب خطاب استجداء للتكريم .. كان المقصود من الطلب رسالة تربوية لا إهانة شخصية .. حتى يدرك معنى أن التكريم ليس حقاً ذاتياً يفرض بالقوة .. بل قيمة تمنح وفق معايير العمل والإنجاز .
فرفض الفكرة قائلاً إنه لا يستجدي أحداً .. وإنه يرى نفسه مستحقاً بطبيعته للتكريم .
ثم انتهى الأمر بمحضر رسمي تضمن الملاحظات السلوكية .. وتعهد الرجل بترك الممارسات التي كانت تشغل الميدان الإداري وتؤثر على الطلاب والمعلمين تحت مسؤوليته .
وغادر الرجل القيادة بعد التقاعد .. وكأن الصفحة طُويت بهدوء .. لتبقى العبرة لا الشخص .. ويبقى المعنى لا الحكاية .
ومن أبهى ما يتجلى في هذا الموقف روح القائد المهني حين قال الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني كلمة تختصر أخلاق القيادة التربوية .. إذ أشار إلى أن واجبه المهني يمنعه من ذكر كثير من الممارسات التي كان يقوم بها ذلك المدير .. خاصة أنه غادر موقع القيادة بالتقاعد وأصبح من الماضي ..
وفي هذه العبارة يتجلى معنى رفيع من معاني المسؤولية .. فالقائد الحقيقي لا يجعل من أخطاء الآخرين مادة للتشهير ..
بل يحفظ للناس كرامتهم حتى بعد أن تنتهي مواقعهم .. ويكتفي بأن تبقى العبرة حاضرة دون أن يتحول الإنسان نفسه إلى هدفٍ للذاكرة .
وهكذا تبقى الحكايات الكبرى ليست مجرد ذاكرة لموقفٍ عابر .. بل مرآة تتأمل فيها النفوس نفسها قبل أن تحاكم غيرها .
فما أصدق التربية حين تكون نورًا يهدينا إلى الإنسان داخل الإنسان .. لا إلى الخطأ وحده .. ولا إلى صاحب الخطأ فحسب .
وفي عمق هذا الموقف التربوي تتجلى بصيرة القائد حين يقرأ الإنسان قبل أن يقرأ الخطأ .. فالمشكلة ليست دائماً في السلوك الظاهر .. بل في الجوع النفسي الذي قد يقف خلفه .
فالنرجسية – حين تتضخم – ليست إلا محاولة تعويض خفية عن فراغ داخلي .. أو خوفٍ صامت من أن لا يكون للذات معنى إلا عبر انعكاسها في عيون الآخرين .
ولهذا ترى النرجسي أحياناً يطارد الثناء كما يطارد العطشان قطرة الماء .. ويغضب من النقد كما لو كان النقد إعلاناً عن انهيار الصورة التي صنعها حول نفسه .
إن أخطر ما في النرجسية ليس حب الذات .. بل فقدان القدرة على رؤية الذات كما هي ..
ومن هنا كان الموقف التربوي الذي عرضه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني درساً في القيادة الإنسانية .. فقد واجه السلوك بوضوح .. لكنه لم يسمح أن يتحول الخطأ إلى وسيلة لكسر الكرامة أو إطفاء بقايا النور في نفس الإنسان .
فالقيادة في الميدان التربوي ليست سلطة تقمع .. ولا مجاملة تضلل .. بل ميزان دقيق بين الحزم الذي يحفظ النظام .. والرحمة التي تحفظ الإنسان داخل النظام .
ومن أعظم الدروس التي تتجلى في هذا الموقف أن النرجسية ليست مجرد سلوك اجتماعي .. بل مرضٌ أخلاقي حين يتضخم الإحساس بالذات حتى يبتلع احترام الآخرين .
فالقيادة التربوية الحقيقية ليست صراخ السلطة .. ولا بريق المنصب .. ولا رغبة الظهور .. بل هي قدرة القائد على أن يكون صغيراً أمام الرسالة .. عظيماً في خدمة الإنسان .
فالقائد الحكيم يرى الخطأ .. لكن لا يجعل من الإنسان ضحية للتشهير .
وإنما يعالج الخطأ بحزمٍ يرافقه احترام الكرامة الإنسانية .
فالميدان التربوي ليس ساحة صراع نفسي .. بل فضاء لبناء الإنسان قبل بناء النظام .
ولعل من اللافت أن ما يسميه علم النفس الحديث اليوم بالنرجسية لم يكن غائبًا عن ميزان الوحي .. فقد سبق القرآن الكريم والسنة النبوية إلى معالجة جذور هذا السلوك منذ قرون .. حين وجّها الإنسان إلى تهذيب الأنا قبل أن تستبد به نشوة التعالي وتضخم الإحساس بالذات .
فالقرآن الكريم يضع ميزانًا دقيقًا للنفس البشرية حين يحذرها من تعظيم نفسها فوق قدرها .. فيقول سبحانه :
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .
فالإنسان قد يظن أنه الأجدر بالمدح .. أو الأحق بالتقدير .. لكن ميزان السماء يذكّره بأن معرفة حقيقة النفس ليست بيد صاحبها .. بل بيد الله الذي يعلم خفايا القلوب ويحيط بسرائرها .
كما يحذر القرآن من وهم العظمة الذي قد يتسلل إلى القلب دون أن يشعر صاحبه .. فيقول سبحانه :
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ .
وكأن الآية تعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي في هذا الكون الواسع .. فمهما تضخم شعوره بذاته .. يبقى جزءًا صغيرًا من خلق الله .. لا يملك أن يعلو على الناس بكبريائه .. ولا أن يرفع نفسه فوق ميزان الحقيقة .
ثم يضع القرآن قاعدة أخلاقية عميقة تعالج جذور حب العلو والتفوق المتكبر .. فيقول سبحانه :
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ .
فالعبرة في ميزان الله ليست بمن يظهر أكبر من غيره .. بل بمن يكون قلبه متحررًا من شهوة التعالي .. لأن القيادة الحقيقية لا تُبنى على تضخم الذات .. بل على تواضع الروح وخدمة الناس .
وقد جاء البيان النبوي ليضع تعريفًا دقيقًا لجوهر هذه الآفة .. حين حذر من أحد أخطر أبواب تضخم الأنا حين قال صلوات ربي وسلامه عليه :
«ثلاث مهلكات: شح مطاع .. وهوى متبع .. وإعجاب المرء بنفسه» .
فإعجاب الإنسان بنفسه قد يكون اللحظة التي تبدأ فيها النفس بالعيش داخل صورة متخيلة عن ذاتها .. ترى فيها كمالها .. ويغيب عنها عيبها .. وتظن أن مكانها الطبيعي هو مركز الضوء .
وهكذا يلتقي ميزان الوحي مع حكمة التربية ..
فالعظمة الحقيقية ليست أن يرى الإنسان نفسه فوق الآخرين .. بل أن يكون نافعًا لهم .. وهو يشعر في أعماقه أنه عبدٌ لله قبل كل شيء .
وقبل أن نغادر الحكاية .. فلنتذكر أن الغرق في الذات قد يجعل الإنسان يعيش داخل مرآة نفسه فقط .. يرى العالم انعكاساً لصورته .. وينسى أن التربية الحقيقية تبدأ حين نخرج من سجن الأنا إلى رحابة المعنى .
اللهم يا رب .. من علّم فأحسن فزد أثره .. ومن أرشد فبارك في جهده .. ومن حمل هم التربية فاجعل عمله في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون .
و يبقى الدرس الأهم واضحًا أمامنا .. إن النرجسية لا تُهزم بالسلطة ولا بالمنصب .. بل يهزمها التواضع حين يعرف الإنسان قدر نفسه أمام الله .
فالعظمة الحقيقية ليست أن يرى الإنسان نفسه فوق الآخرين .. بل أن يكون نافعًا لهم .. رحيمًا بهم .. حريصًا على كرامتهم .
وحين يدرك القائد أن رسالته بناء الإنسان قبل إبراز الذات .. تتحول القيادة من منصبٍ يُطلب فيه المجد الشخصي .. إلى أمانةٍ يُرجى بها وجه الله ثم الخير للناس .
فطوبى لمن قاد بتواضع .. وأصلح بحكمة .. وجعل أثره في القلوب أعظم من اسمه في المناصب .
اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك .. وازرع في قلوبنا تواضعًا يرفعنا عندك .. وحكمةً تنفع بها عبادك .. واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وفي الرابط السفلي تلتقون بالحكاية كما رواها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بعباراته الأصلية دون تغيير .. لتصل إليكم كما وُلدت أول مرة .. صادقة في لفظها .. نابضة بحكمتها .
أثر لاينسى
جدة
ليلة السبت ١٨ رمضان ١٤٤٧
٧ مارس ٢٠٢٦

