المدرسة المتهاوية 🍂

screenshot ٢٠٢٦٠٣٠٣ ٠٢٤٦١١ photo editor


المدرسة المتهاوية 🍂
حكاية تُولد أمام أعيننا
إذن نحن لا نكتب مقالًا فقط ..
نحن نكتب انتظارًا .
نكتب شغفًا يتصاعد في القروب .. منذ ثلاثة أيام .
نكتب حكاية لم تُروَ كاملة بعد  ..  لكنها بدأت تعيش في الوجدان قبل أن تُكتب ..

منذ ثلاثة أيام ..  والعنوان يتردد في قروب مدربات مبدعات كأنّه لحنٌ لا يكتمل :
المدرسة المتهاوية
ليس مجرد اسم لحكاية ..
بل سؤال يتسلل إلى أعماق كل معلمة .. كل مديرة ..  كل مسؤولة تحمل مفاتيح أبوابٍ يقف خلفها مستقبل .

الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني لا يروي حكايات للترفيه ..
هو يزرع فكرة .. ثم يتركها تنمو فينا .
يلقي عنوانًا .. ثم يختبر وعينا :
هل سنفهم قبل أن نُكمل ؟
هل سنشعر بثقل الأمانة قبل أن نعرف تفاصيل الموقف ؟
منذ أن بدأ يسرد .. ونحن نترقب .
لا لأننا ننتظر حدثًا دراميًا ..
بل لأننا ننتظر معنى .
فالمدارس لا تتهاوى فجأة ..
إنها تضعف حين يتسلل الإهمال ..
حين يُؤجل القرار ..
حين يُنسى أن المسؤولية أمانة سيُسأل عنها الإنسان يوم لا ينفع فيه منصب ولا لقب .

والسؤال الذي يهمس به العنوان في أذن كل قارئة :
هل مدرستي ثابتة حقًا .. أم أن هناك شقوقًا لا نراها ؟
وقبل أن تُروى الحكاية كاملة ..

كانت الأخوات يكتبن بشغف :
“منتظرين القصة بكل شوق دكتورنا الفاضل  ..
كنا زمان في رمضان ننتظر الفزورة كل يوم بعد الإفطار 🌛
واليوم صرنا نستنى منكم القصة كل يوم بعد التراويح 🤗”
وردّت أخرى :
” صدقتي أ . منال 👍”

لكن الفرق ..
أن الفزورة كانت تختبر الذكاء ..
أما هذه الحكاية ..  فستختبر الضمير

ثم بدأ الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بسرده :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسعد الله مساءكم عافية وصحة وسلامة
كنت في زيارة أحد القيادات في إدارة التعليم .. وأثناء الحديث معه قال :
“أريدك في موضوع شائك يخص مدير مدرسة في إحدى الهجر التابعة للإدارة .”
قال :
“هذا المدير عجزنا أن نفهمه .. وعجز أن يفهمنا .. ويكاد أمره أن يُحسم بالإعفاء من قيادة المدرسة خلال الأيام القريبة .. لكني فكرت أن تكون أنت الحل الأخير قبل اتخاذ الأمر بشأنه .”
قلت له : أبشر.
فقال :
“ستجد كل شيء مكتوبًا في سجل الزيارات .. كل من زاره خرج من المدرسة وهو على يقين أن بقاء هذا المدير جريمة في حق المدرسة والطلاب وأولياء الأمور .”
يقول الدكتور :
عادتي أتحمس لمثل هذه المواقف، خاصة أن القائد الذي طلب مني ذلك هو في وجهة نظري أنموذج للقيادي الذي في كل يوم أعمل معه يزداد إعجابي به قيادة وأمانة وسلوكًا ورقيًا ..  كان قائدًا متفردًا في كثير من جوانبه .

صباح بارد .. وباب مغلق
بعد صلاة الفجر، توجهت إلى المدرسة التي تبعد قرابة الساعة والنصف عن سكني .
وصلت قبل الاصطفاف الصباحي بنصف ساعة ..
لكن وجدت المدرسة مغلقة .
وحول الباب ..
كان الأطفال الصغار يلتصقون به طلبًا للدفء في ذلك الصباح البارد .
وزاد الطين بلة أن باب المدرسة قريب جدًا من الشارع العام ..
والسيارات تمر مسرعة بين حين وآخر .

بدأ وقت الدوام ..
ومضت نصف ساعة ..
ولا أحد .
ثم جاء أحد الأشخاص وفتح الباب .. فتدافع الصغار للداخل هربًا من البرد والسيارات .
دخلت وسلّمت عليه .. فعرفت أنه مدير المدرسة .

توقيع السادسة ..  والحضور الثامنة
سألته عن المعلمين ..
فقال :
“هم في الطريق .. يأتون على سيارتين .”
وصل الوفد الأول قرابة الثامنة صباحًا .
وقعوا في دفتر الدوام ..
وسجّلوا وقت الحضور : السادسة صباحًا .
وقعوا بكل برود ..  تحت نظر المدير ..
لأنهم تعودوا ذلك كل يوم .

لم يُعلّق الدكتور ..
كان حريصًا أن يرى الصورة كما هي دون تدخل .
ثم جاء الفريق الثاني ..  ووقّع كما فعل سلفه البائس
.

حوار الفرصة الأخيرة
قال المدير :
” هل ستزور أحدًا من المعلمين ؟”
قال الدكتور :
” زيارتي لك أنت تحديدًا .”
ثم أخبره بشفافية أن لجنة إدارية ستعقد قريبًا لحسم بقائه ..
وأنه كُلّف من الإدارة العليا بإعداد التقرير النهائي ..
لعل وعسى ..
وأن أحد القيادات رأى أن يمنحه فرصة أخيرة للمساعدة .
قال له :
” أرجوك ساعدني لأستطيع مساعدتك .”
لكن المدير بدأ يتشكى .. ويتهم الإدارة بالتقصير .. ويطلب ” كنبًا ” لغرفة المدير !
قال له الدكتور :
” دعنا من الكنب الآن .. واستوعب خطورة ما أتكلم عنه .”
تارة يقول لا يرغب في الإدارة ..
ثم يقول لا يستطيع أحد إبعاده بغير حق ..
ثم يؤكد أنه يريد البقاء .
يقول الدكتور :
” كل دقيقة في حواري معه تزداد قناعتي أنه الرجل الخطأ ..  لكني حرصت ألا يؤثر انطباعي الأول على هدفي من مساعدته .”
هنا .. يتوقف الضجيج. ويبدأ سؤال الضمير  .
كانت تسيطر عليه فكرة المؤامرة ..
ويرى أن الجميع يتصيد أخطاءه  .
لكن الحقيقة أن :
كل شيء في المدرسة يشوبه القصور والتقصير والنقص والاستهتار .

الاستئذان ..  قبل منتصف اليوم  !
عند الحادية عشرة والربع ..
طُرق باب الإدارة .
همسٌ طويل .
غضب مكتوم على وجه المدير  .
قال :
“بعض المعلمين يريدون مغادرة المدرسة .. طريق الرجعة طويل .. وهم في سيارة واحدة .”
قال الدكتور :
“والمنهج ؟ والطلاب ؟ والنظام ؟ والأمانة ؟ والخوف من الله ؟”
لم يُعلّق .

تكرر الطرق ..
وأصرّوا على الاستئذان .
فقال الدكتور :
“اذهب وأخبرهم أنني سأقوم بجولة على جميع الفصول .. وليجهز كل معلم أدواته من دفتر تحضير وأساليب تقويم .”
العبارة التي حسمت كل شيء
بعد الجولة ..
انفرد الدكتور بالمدير وقال :
“حان الوقت لتعرف مضمون التقرير الذي سأكتبه عنك .
سأكتب عبارة أخاطب فيها مدير التعليم:
أن المدرسة تترنح وتتهاوى عندما يسقط منها ركن من الأركان ..
وقد جئتكم اليوم من مدرسة تهاوت فيها جميع الأركان .”

غادر المدرسة ..
والحزن يلفه .
وهو يرى أعين الصغار مليئة بالفرح والعفوية ..
وهم لا يدرون أي مستقبل ينسجه لهم هؤلاء الآثمون .

قيل له لاحقًا :
حين قرأ مدير التعليم العبارة قال :
“هذه العبارة حسمت كل شيء .”
تم إعفاء المدير
  ..

المواجهة الأخيرة
دخل المدير يومًا على الدكتور .. والغضب يتقافز من وجهه :
“أنت من أبعدني عن المنصب !”
طلب منه الجلوس وقال :
“أرفع لك القبعة على شجاعتك في الحديث معي ..
لكن للأسف هذه الشجاعة في الطريق الخطأ.
ليتك استخدمت عُشرها في ضبط معلميك .”
ثم قال له :
نعم ياعزيزي ..
” طالبت بإبعادك شفقة عليك ورحمة بك من تضاعف الإثم بسبب تفريطك .”
سكت طويلًا  ..
ثم قال المدير :
“الذي آلمني أن المعلمين شمتوا بي بعد تحويلي إلى معلم .”
قال له الدكتور :
“هل تتوقع أن يتوالد من الإثم والتفريط شكر وتقدير ؟
هم استطاعوا أن يسيروك وفق شهواتهم ومصالحهم .”

ثم ختم له النصيحة :
“افتح صفحة جديدة في التدريس .. تكفّر بها عن تفريطك في حق نفسك .. وأولئك الصغار الذين يلتحفون سور المدرسة بحثًا عن دفء .”
وسلامتكم .

ما الذي يجب أن يلف مكاتب المديرين؟
ليست القصة في توقيع مزور ..
ولا في استئذان مبكر ..
ولا في باب مغلق ..
القصة في ركنٍ سقط ..
فسقطت معه الأركان .
المسؤولية أمانة .
والأمانة ليست كنبًا في مكتب .
ولا توقيعًا في سجل .
ولا منصبًا يُدافع عنه بالغضب .

هي سؤال سيُطرح :
كيف أُغلق الباب ؟
كيف تُرك الصغار على الرصيف ؟
كيف وُقّعت السادسة وهم حضروا الثامنة ؟
كيف غادر المعلمون قبل أن يغادر الضمير ؟

هذه الحكاية يجب أن تُعلّق في كل مكتب مدير .
لا لتخويفه ..
بل لتذكيره أن المدرسة لا تتهاوى فجأة ..
بل حين يضعف ركن الأمانة ..

المدرسة لا تتهاوى حين يخطئ طالب ..
المدرسة تتهاوى حين ينسى من في صدره مفتاحها ..
أن الأمانة ليست منصبًا ..
بل امتحانًا ..

لأن المنصب يمضي  ..
ويبقى السؤال واقفًا ينتظر صاحبه .
فكم من باب أُغلق في وجه صغير يبحث عن الدفء  ..
وكم من توقيع ظن صاحبه أنه يثبّت حضورًا  ..
فإذا به يكتب غيابًا أمام السؤال الأكبر  .
فـ﴿فَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾
ليست آية تُقرأ ..
بل موعدٌ قادمٌ لا يتأخر  .

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .

أثر لاينسى
جدة ..
الثلاثاء ١٤ رمضان ١٤٤٧
٣ مارس ٢٠٢٦

.

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *