وجهتُ وجهي نحو بابك راجيًا
والحالُ لا يخفى وأنت عليمُ
بالرغم من ذنبي فإني واثقٌ
أن الحليم على العصاةِ حليمُ
فأنا الفقيرُ وجئتُ بابك لائذًا
متضرعًا وجِلًا فأنت عظيمُ
أرجوك عفوًا منك يا ربَّ الورى
فامْنُنْ وأكرمني فأنت كريمُ
هناك لحظة صادقة في عمر الإنسان .. لا يملك فيها حُسن العبارة ولا زخرف الادعاء .. لحظة يقف فيها القلب عاريًا إلا من الرجاء .. متجهًا بوجهه إلى بابٍ واحد… باب الله .
في تلك اللحظة .. تسقط كل الألقاب .. وتبهت كل الأعذار .. ولا يبقى إلا عبدٌ يعرف قدره .. وربٌّ لا يخفى عليه شيء .
ليست هذه الأبيات شعرًا فحسب .. بل اعترافٌ نقي .. ووقفة حق .. وحالة صدق نادرة يقول فيها الإنسان : أنا المذنب… وأنا الواثق برحمتك في آنٍ واحد .
ما أعظم هذا الجمع : ذنبٌ حاضر .. ويقينٌ لا يتزعزع .
وما أعمق هذا الفهم : أن الحِلم الإلهي لا يُقاس بأفعالنا .. بل بكرمه سبحانه .
حين يقول العبد : فأنا الفقير .. فهو لا يتصنّع التواضع .. بل يعلن الحقيقة كما هي .. فقرٌ إلى العفو .. فقرٌ إلى الستر .. فقرٌ إلى اللطف الذي لا يُشبهه لطف .
وحين يطرق باب الله .. فهو يعلم أن هذا الباب لا يُغلق، .. ولا يُردّ عنه من جاءه منكسِرًا .. صادقًا .. راجيًا .
الصورة التي تحتضن هذا الدعاء لا تُخاطب العين فقط .. بل توقظ المعنى الغائب في زحام الحياة :
أن الطريق مهما طال .. والذنب مهما ثقل .. فإن باب الله أقرب مما نظن .. وأوسع مما نتصور .. وأكرم من كل خيال .
العبد العظيم ليس من لم يخطئ .. بل من عرف أين يتجه حين يخطئ ..
ومن عرف أن النجاة ليست في تبرير الذنب .. بل في الاعتراف .. ولا في القنوط .. بل في الرجاء .
هكذا تُكتب الطمأنينة…
لا بضجيج .. ولا بادعاء ..
بل بدعاءٍ صادق .. ووجهٍ متجه .. وقلبٍ يعلم يقينًا أن الكريم إذا عفا .. عفا بكرم .. وإذا ستر .. ستر بحب .. وإذا قبل، قبِل بلا حساب .
أثر لاينسى
جدة ..
الثلاثاء ١٤٤٧/٦/٢٥
الموافق ١٦ ديسمبر ٢٠٢٥

