هناك لحظات ..
لا تحتاج إلى صوتٍ ليكون لها وقع الرعد
لحظات تمرّ أمامنا كظلّ خفيف ..
لكنها تترك في الروح شقّاً لا يُردم
لحظات اسمها: رحيل من نحب
ننشغل بالدنيا .. نُسرع .. نتكدّس .. نغفل
فنوقَف فجأة
ليس بصرخة .. ولا بصوت .. بل بخطوةٍ واحدة يتجاوزنا فيها الموت
يمرّ من جانبنا كما تمرّ نسمةٌ باردة في حرّ الظهيرة .. فيُذكّرنا بأن للموت بقية .. وأننا لسنا في طابورٍ بعيد .. بل نحن التالي متى شاء الله
الراحلون ..
يا لنعمتهم .. ويا لوجع حضورهم الغائب
يمضون .. لكنهم لا يغادرون
يصيرون مرايا .. كلما نظرنا فيها انكشفت حقيقتنا العارية
أننا نعيش بقلوبٍ مؤجّلة .. نيّاتٍ مؤجّلة .. طاعاتٍ مؤجّلة
وكأنّ الموت موعدٌ لن يُعطى لنا
كان الحسن البصري يقول
“ما رأيتُ يقيناً لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت”
وهو لا يقصد الموت .. بل نحن
نحن الذين نوقن ثم نتصرّف كمن يشك
نصدّق ثم نعيش كمن ينكر
نعرف ثم نمضي كأننا لا نعرف
الموت ليس فاجعة .. الفاجعة أن نعيش بلا استعداد
أن نمشي في الأرض وكأنّ أجَلنا يخصّ غيرنا
وكأنّ صفّ الرحيل لن ينادينا يوماً بأسمائنا
لكن ..
في قلب هذا الألم نعمةٌ لا تُقدّر بثمن
الراحلون يفتحون لنا أبواباً لم نرها ونحن نركض
يُصفّون ضجيج الدنيا
ويعيدون للروح صوتها الأول
ويعلّموننا أن أكثر ما يستحق البقاء .. لا يُشترى ولا يُجمع ولا يُورث
بل يُزرع في القلب ويُحمل إلى الله
أسراب الراحلين ليست مآتم .. بل دروسٌ تمشي على قدمين
إن أصغينا لها .. انقلبت حياتنا
وإن غفلنا .. مرّت فوق رؤوسنا كغيومٍ لم تُمطر قلوبنا قطرةً واحدة
فلنهدأ لحظة
ولنضع أيدينا على قلوبنا كما يضع اليتيم رأسه على صدر أُمّه
ونقول لأنفسنا بحكمةٍ لا ترتفع صوتاً
يا نفسي .. عودي
الموت آتٍ .. لكن الحياة ما زالت تُمنح لكِ لتُصلحي وتقتربي وتطمئني
فالنجاة ليست بأن نطيل أعمارنا
بل بأن نملؤها بما يجعل الموت .. لقاءً .. لا خسارة
وهكذا
يكون الراحلون دون أن يتكلّموا أعظم المواعظ
ويكون الصمت الذي يخلّفونه كلاماً يسمعه القلب كله
أثر لاينسى
جدة .. عروس البحر
الأحد ٩ من شهر جمادى الآخرة ١٤٤٧
الموافق ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٥ م
اللهم أرحم الراحلين رحمة واسعة واجمعنا بهم في جنات النعيم على سررٍ متقابلين .. يا رب العالمين .
حين يعلّمنا الفقد ما عجزت عنه الحياة🌿

