ما أعظم هذه الآيات التي خُتمت بها سورة الحشر .. آياتٌ ليست حروفًا تتلى فحسب .. بل أبوابٌ مفتوحة على جلال الله .. وممرات نورٍ تصل القلب بالسماء
( هو الله الذي لا إله إلا هو .. عالمُ الغيب والشهادة .. الرحمن الرحيم .. هو الله الذي لا إله إلا هو .. الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر .. سبحانه عمّا يشركون .. هو الله الخالق البارئ المصوّر .. له الأسماء الحسنى .. يسبّح له ما في السماوات والأرض .. وهو العزيز الحكيم ) ..
آياتٌ إن تُليت على روحٍ مُتعبة أفاقت .. وإن هبّت على صدرٍ مكدود سرّته .. وإن انسكبت على قلبٍ واجم أحيت فيه ما ظن أنه مات .. ففي كل اسمٍ من أسماء الله أبوابٌ من اليقين .. وفي كل صفةٍ صفاءٌ يغسل القلق والخوف والضعف ..
هذه الآيات ليست تعريفًا بالله .. بل تعريفٌ بنا حين نقف بين يدي عظمته .. إنها ترسم ملامح الإنسان حين يتصل بالخالق الـ منزّه عن كل نقص .. فتتبدل داخله الطبيعة التي أتعبته .. ويُستبدل خوفه طمأنينةً .. وضعفه قوةً .. وتردده إقبالًا وحياة ..
ما أكرم الله حين يعرّفنا بنفسه .. كأنما يقول للقلوب المعطوبة .. اقتربي .. فهنا السلام ..
ويقول للقلوب المتعبة .. هلمي .. ففي رحابي أمانٌ لا يطال ..
ويقول للقلوب الخائبة .. لستِ وحدكِ .. فأنا معكِ بنوري وقربي وفضلي ..
كل اسمٍ من أسمائه الحسنى نافذة تطل على معنى يعيد ترتيب الروح ..
الملك .. يذكرك أن الدنيا بيد الله لا بيد الخلق ..
القدوس .. يطهّر داخلك من توهمات الظلام ..
السلام .. يهبك الطمأنينة إن عجزت الحياة عن منحك إياها ..
المهيمن .. يَسكنُ خوفك لأن كل ما حولك تحت عين الله ..
الجبار .. يجبر كسرك ولو تفطّر قلبك ..
المتكبر .. يرفعك عن مهانة الانكسار للناس ..
الخالق البارئ المصوّر .. يذكّرك أن حياتك مصنوعة بحكمة .. وأن قدرك مرسوم بتقدير لا يخطئ ..
هذه الآيات ليست كلمات تُقرأ .. بل معراجٌ تصعد به الروح إلى حيث الصفاء ..
هي التي تهدي القلب طريق الطمأنينة حين تضيق الأرض بما رحبت ..
وتعلّم الإنسان كيف يعيش تحت ظل أسماء الله الحسنى فيتبدل فكره وسلوكه ورؤيته لنفسه وللعالم ..
هي آياتٌ تقول لكل إنسان خائف .. لا تخف .. فالعزيز يحميك
وتقول للحزين .. لا تحزن .. فالجبار يجبرك
وتقول للضعيف .. قف .. فالمهيمن يرعاك
وتقول للتائه .. عُد .. فالله أرحم من أن يتركك لنفسك ..
ما أجمل أن يعيش الإنسان وهو يشعر أن السماء قريبة .. وأن الله أقرب إليه من كل ما يتعبه .. وأن هذه الأسماء ليست نصوصًا بل حياة .. وليست تلاوة بل شفاء ..
في كل مرة نقرأ هذه الخواتيم .. نشعر أن الدنيا على اتساعها تضيق لتفسح مكانًا لله وحده في قلوبنا .. وأن كل صوتٍ يعلو يخفت أمام صوت الآية .. وكل خوفٍ يتكاثر يذوب أمام جلال الاسم .. وكل همٍّ يثقل الصدر ينزاح حين نقول بقلبٍ صادق .. هو الله الذي لا إله إلا هو ..
هذه الخواتيم تضع الإنسان في مقام القرب من الله .. مقامٍ لا تشوبه وحشة ولا تُطفئه الأيام .. مقامٍ يسمو بالروح حتى تصبح أثقل وزنًا .. وأصفى قلبًا .. وأقوى يقينًا ..
إنه نورٌ لا يُمكن أن يخرج منه أحدٌ كما دخل .. نورٌ يخلخل جدار الضعف .. ويُعيد تشكيل النفس بيد الله لا بيد البشر ..
وهنا .. في هذا المكان الرفيع من المعنى .. نهمس لكل قلبٍ يقرأ ..
اجعل خواتيم سورة الحشر وردًا لك .. تقرأه كل ليلة ..
ففيها شفاءٌ ما بعده داء .. ووعدٌ ما بعده خوف .. وقربٌ ما بعده وحشة ..
من عرف الله بأسمائه .. تألق في نفسه وكيانه كله .
أثر لا يُنسى ..
جدة .. مساء الجمعة ٢٣ جمادى الأولى ١٤٤٧ .. ١٤ نوفمبر ٢٠٢٥ ..

