هناك لحظة تمرّ على بعض البيوت .. لحظة صمتٍ ثقيلٍ لا يشبه الهدوء .. بل يشبه الغياب ..
حين ينطفئ الحوار .. وتُطفأ المودة .. ويعلو بين الزوجين جدار من الغضب والشك والغيرة ..
حينها لا يبكي أحد بصوت مسموع .. لكن الأرواح تبكي بصمت موجع .. ويختنق الدفء .. وتضيع الملامح الجميلة للحياة ..
كم من بيت كان عامرًا بالحب .. ثم هدمته لحظة انفعال .. كلمة جارحة .. أو نظرة تفتيش في هاتف لا تعني سوى .. “أني لم أعد أثق” ..
وكم من قلب كان مطمئنًا .. فصار مرتابًا لأن صاحبه صدّق الظن .. واتبع خطوات الشيطان حتى ضيّع بوصلته ..
يا كل امرأة تشبه “أم جعفر” ..
يا من تحبين بصدق .. وتغارين بصدق .. وتريدين أن تحافظي على زوجك وبيتك ..
لكنك تجرحين من حيث لا تشعرين ..
توقفي لحظة وتأملي ..
هل الغيرة التي تحرق صدرك تبني بيتك ..؟
هل تفتيشك في هاتفه سيجعل قلبه لك وحدك ..؟
هل الصراخ والدموع يعيدان المودة ..؟
إن الرجل .. مهما كان قويًا .. يضعف أمام المرأة الهادئة التي تحتضنه .. لا التي تحاسبه ..
يحنّ إلى من تمنحه سكنًا وسلامًا .. لا عتابًا ولومًا ..
فكوني له مأوى حين يتعب .. وسندًا حين يضعف .. وراحة حين تشتد عليه الدنيا ..
يا حبيبة القلب ..
زوجك بشر .. يحمل من الهموم ما لا يُرى .. من ضغوط المعيشة .. ومسؤوليات الأبناء .. وواجبات البيوت .. وصراع الحياة اليومي ..
إن غضب أو ابتعد .. فربما ليس كرهاً لك .. بل إنهاك من ثقل الأيام ..
فارحميه برحمتك .. وكوني نوره لا عبئه ..
تذكّري أن أبناءك يرون ويسمعون ..
تتشكل فيهم صورة الزواج من مشاهدكم أنتم ..
فإن رأوكم تتخاصمان .. زرعتم فيهم الخوف ..
وإن رأوكم تتصالحان برقة .. زرعتم فيهم الأمان ..
احمي قلوبهم الصغيرة من وجع الكبار ..
ليس السحر دائمًا سببًا .. ولا العين وحدها المؤلمة ..
أحيانًا نحن من نصنع الألم بأيدينا .. حين نترك الغيرة تقودنا .. والغضب يسبق تفكيرنا .. والعناد يعمينا عن جمال ما نملك ..
وما أصابنا لم يكن ليخطئنا .. وكل قدر يمر بنا .. لله فيه حكمة نجهلها ..
يا كل امرأة تسمعني ..
توقفي عن مطاردة الظلال ..
انشغلي بنورك الداخلي ..
تعلمي كيف تُديرين غضبك لا أن يسوقك هو ..
كيف تصمتين لتسمعي ما وراء الكلام ..
كيف تكونين المأوى لا العاصفة ..
ابدئي من نفسك كما تعلمين غيرك ..
تنفسي بعمق .. اغفري بصدق .. وارفعي يديك للسماء قائلة ..
“اللهم أصلحني وأصلح به حياتي .. واملأ بيتي حبًا وسكينة ونورًا منك يا رحمن” ..
ولا تنسي .. أن الله وحده هو من يقلب القلوب ويؤلف بينها ..
إن دعوتِه بصدق .. بدّل خوفك أمناً .. وغيرتك حبًا .. وبيتك ساحة من طمأنينة بعد عاصفة من تعب ..
وفي الختام .. أقولها لكل زوجة تشبه أم جعفر ..
ارحمي نفسك من الغيرة .. وزوجك من اللوم .. وأبناءك من الصراخ ..
فحين تصمت البيوت .. تبكي الأرواح ..
لكن حين تُضاء القلوب بالرحمة .. تبتسم الجدران .. وتعود الحياة أجمل مما كانت .
كتبته أثر لاينسى
الأثنين ١٩ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ
١٠ نوفمبر ٢٠٢٥
جدة ..

