✨ المتهتك الخليع ..

screenshot ٢٠٢٦٠٣٠٦ ٠٦٢٩٥٠ gallery


✨ المتهتك الخليع
حين تكشف التقنية ما تخفيه الخلوات
في شهر رمضان .. لا ننتظر النوم .. بل ننتظر اليقظة .
شهرٌ تُفتح فيه أبواب السماء قبل أن تُغلق أبواب القلوب على غفلتها .
هنا .. حيث يفيض الليل بترتيل القرآن وهدوء الدعاء .. يجد الإنسان فرصة نادرة ليصالح نفسه .. ويقترب من الله بروحٍ متخففة من ثقل الخطايا وهشاشة النفوس .
فمن ابتُلي بشيءٍ من ضعفٍ أو زلة .. فشهر رمضان ليس زمن الإدانة .. بل زمن الرجاء .
إنه موسم العودة .. لا موسم اليأس .
منذ أن يطل الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني في قروب «مدربات مبدعات» معلنًا عنوان الموقف القادم .. يبدأ شيء خفي في التحرك داخلنا .. فضول جميل .. وترقّب دافئ .. وشعور بأننا على موعد مع قصة ليست ككل القصص .
تمضي الساعات ببطءٍ لطيف .. وكأن النهار نفسه يشاركنا الانتظار حتى يقترب الموعد الذي اعتدناه بعد صلاة التراويح .. عند العاشرة والنصف تقريبًا .
هناك .. حيث تجتمع القلوب قبل الشاشات .. لا لنقرأ كلمات عابرة .. بل لنصغي إلى حكاية تُروى بروح صادقة .. وتجربة عاشها صاحبها .. وعبارة تخرج من القلب فتصل إلى القلب .
فنحن لا ننتظر قصة فحسب .. بل ننتظر تلك اللحظة التي يفتح فيها الدكتور باب الحكاية .. فنجد أنفسنا داخل المشهد .. نبتسم أحيانًا .. ونتعجب أحيانًا .. ونتأمل كثيرًا .
وفي تلك الليلة تحديدًا .. كان الدكتور قد ألقى إلينا منذ الصباح عنوانًا قصيرًا .. لكنه كان كافيًا ليوقظ الفضول في النفوس :
(المتهتك الخليع)
عنوانٌ بدا صادمًا بعض الشيء .. لكنه – كما اعتدنا من حكايات الدكتور – لا يأتي عبثًا .. بل يخفي خلفه موقفًا إنسانيًا عميقًا وتجربة تستحق أن تُروى وتُتأمل .
فالعنوان لا يُقصد به وصف الإنسان بقدر ما يُقصد به وصف سلوكٍ انكشف في لحظة ضعف .. حيث يختل حضور الوعي ويتسلل ما لا يليق إلى فضاء التعليم .
عنوانٌ صادم في سطحه .. عميق في باطنه .. يضع أمامنا المسافة بين الوجه الذي يراه الناس .. والظل الذي تخفيه النفس حين تبتعد عن نور المراقبة .
بداية الحكاية ..
قال الدكتور إنه كان يتابع أحد المعلمين عبر برنامج التيمز أثناء أزمة كورونا .. حين توقفت المدارس عن حضورها الجسدي .. وانتقل التعليم إلى الشاشة .
كانت التجربة جديدة .. ومحملة بصعوبات كثيرة .. فالتعليم عبر المنصة ليس مجرد نقل معرفة .. بل امتحان لقدرة المعلم على أن يحتضن طلابه وهو بعيد عنهم .
وأثناء المتابعة تسلل إلى المايك صوت غريب .. لم يكن صوتًا واضح المعالم .. بل أصوات تختلط بالشرح .. كأن خلف الكلمات حياة أخرى لا تظهر في الصورة .
حذف الدكتور الفرضيات واحدة بعد أخرى .. حتى استقر يقينه أن المعلم يشرح درسه من داخل استراحة .. وأن هناك من يدخن الشيشة بجانبه .
اتصل بمدير المدرسة .. وكان رجلًا أصيل الخلق يحفظ له مكانة في النفس  ..  سليل مجد في سموه وفزعاته وأخلاقه وطلب منه الدخول إلى البرنامج .
عاد المدير بعد نصف ساعة يضحك ويقول :
«الله يفشله هالتعبان» .
سأله الدكتور عن السبب .. فقال إن الصوت يعود لزوجة المعلم .. وهي تدخن الشيشة بجانبه أثناء الدرس .
وهنا لم تكن القضية مجرد عادة سلوكية .. بل نافذة على سؤال أعمق .
فالإنسان حين يشعر بنقص داخلي .. قد يحاول أن يرفعه بقناع خارجي .. لا بتهذيب داخلي .. . فالتدخين لم يكن مجرد فعل صحي أو اجتماعي .. بل كان رمزًا لشيء داخلي يختبئ خلف محاولة البحث عن صورة مغايرة للذات .. نشأ الدكتور في مجتمع كان التدخين فيه فعلًا مستورًا .. من ابتلي به كان يختبئ كأنه يحمل خطيئة لا يريد أن تراها الشمس .. ثم ترك المدير يعالج الموقف بحكمته .. فلكل مدرسة لغة قيادة .. ولكل موقف مفاتيح قراءة خاصة .

اللحظة التي جعلت القلب يقفز
بعد أيام .. وأثناء متابعة الدروس مرة أخرى .. ظهرت صور إباحية فجأة على الشاشة .
قفز الدكتور من الكرسي مذهولًا ..
يا لطف الله .. ما الذي حدث ؟ كان الموقف صادمًا .. فقد كان شاي التلقيمة بجانبه في تلك اللحظة .. كصديقٍ صامتٍ يرافق هدوء المتابعة .. حتى انكسرت سكينة المشهد فجأة بظهور الصور .
خطر بباله احتمال الاختراق الإلكتروني .. كأن أحدًا أراد النكاية به أو سرقة برامجه التدريبية .
لكن الصور اختفت سريعًا .. حتى بدأ يشك في نفسه : هل كان في حلم أم يقظة ؟
راجع أجهزته وبرامجه .. فلم يجد أثرًا لشيء .
ومع مرور الوقت تلاشى المشهد من الذاكرة .. كأن الحدث مرّ على الروح ولم يترك أثره .
الحقيقة التي كشفتها الأيام
بعد أن خفت أزمة كورونا وعادت الزيارات الحضورية .. زار الدكتور المدرسة مرة أخرى .
فتح الحديث عن المعلم .. فأخبره المدير أن أحد أولياء الأمور قدّم شكوى لأن المعلم عرض صورًا إباحية أثناء الدرس عبر المنصة .
هنا اتضحت الصورة .
فالمعلم – الذي كان مبتلى بمشاهدة تلك الصور – صغّر الشاشة لتصبح نافذة صغيرة أثناء الدرس .. لكنه ضغط عليها دون قصد .. فظهرت الصور أمام الطلاب وأولياء الأمور .
استُدعي المعلم .. وأُبلغ بخطاب ولي الأمر .
فبكى بكاءً شديدًا .. وهو رجل تجاوز الخمسين .. وطلب الستر .
فوقّع المدير عليه محضرًا حتى لا يتوسع الأمر قضائيًا .. ووعده بالستر .
الدروس التي تكشفها الحكاية ..

ليست العبرة في وقوع الخطأ .. بل في الدروس التي تكشفها لنا هذه المواقف :
أن الخلوات امتحان حقيقي للإنسان .
وأن التقنية لا تلغي المسؤولية الأخلاقية .
وأن القائد الحكيم قد يعالج الخطأ بالستر لا بالفضيحة .
وأن الإنسان إذا لم يراقب نفسه في السر .. قد ينكشف في العلن .
قال الله تعالى :
﴿ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴾ .
فالإنسان قد يظن أن أفعاله خفية .. بينما هي عند الله مكشوفة .. وقد تنكشف عند الناس في لحظة لا يتوقعها .

أن نحرس قلوبنا قبل أفعالنا .. وأن نتذكر دائمًا أن أعين الناس قد تغيب .. لكن عين الله لا تغيب أبدًا .

أجمل ما ختم به الدكتور الحكاية دعاؤه لذلك المدير .. وتقديره لموقفه .. حين قال :”ولعل الله أن يسترنا وإياه في الأرض .. وحين العرض .”وما أعظم هذا الدعاء .. فنحن جميعًا بشر .. نخطئ ونقصر ونضعف .. لكننا نرجو من الله دائمًا أن يعاملنا بفضله لا بعدله .. وأن يستر عيوبنا كما نحب أن يستر الناس عيوبنا .. ومن المشاهد اللافتة في الحكاية كذلك وجود زوجة المعلم تدخن الشيشة بجانبه أثناء الدرس .وهنا يظهر أثر البيئة المنزلية في تشكيل صورة المعلم .. فالبيت ليس مكان الراحة فقط .. بل هو أيضًا المساحة التي تنعكس على سلوك الإنسان في عمله وحياته .. ولهذا كانت البيوت الصالحة دائمًا سندًا لأهلها .. تعينهم على الخير وتبعدهم عن مواطن الخطأ .ربما لم يتوقع ذلك المعلم – وهو يشاهد ما يشاهد – أن لحظة عابرة قد تتحول إلى موقف يراه طلابه وأولياء أمورهم ومشرفه .. لكن هكذا هي الذنوب .. قد تبدأ سرًا .. ثم تنكشف فجأة أمام الجميع .. ولهذا كان السلف يقولون :
“إياك أن تكون وليًا لله في العلن .. وعدوًا له في السر .”
فالإنسان لا يسقط عادة في لحظة واحدة .. بل يسقط حين يتساهل في أول الطريق .
القائد الحكيم لا يفضح .. بل يصلح

أحد أجمل ما في هذه الحكاية ليس الخطأ نفسه .. بل طريقة التعامل معه .
فالمدير لم يندفع إلى التشهير .. ولم يجعل من الخطأ قضية عامة .. بل واجه المعلم بالحقيقة .. وأشعره بخطورة ما فعل .. وفتح له باب التوبة .. وأغلق باب الفضيحة .
وهنا تتجلى قيمة عظيمة من قيم الإسلام .. وهي الستر .
قال النبي ﷺ :
من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة .”
فالقيادة ليست مجرد تطبيق أنظمة .. بل حكمة في الموقف .. ورحمة في القرار .. وبصيرة في العواقب .
كلمة أخيرة
ليست كل الحكايات تُروى للضحك .. ولا كل المواقف تُحكى للتعجب .
بعض الحكايات تُروى .. كي توقظ فينا ضميرًا كاد أن ينام .. وتذكرنا بأن الإنسان قد يختبئ من الناس .. لكنه لا يختبئ من الله .
قد يغلق باب غرفته ويظن أن العالم كله قد غاب عنه .. لكن هناك عينًا لا تنام .. وعلمًا لا يخفى عليه شيء .
اللهم أصلح سرائرنا كما أصلحت ظواهرنا .. واستر عيوبنا في الدنيا والآخرة .. واجعل خلواتنا عامرة بطاعتك لا بمعصيتك .
فهكذا هي الحكايات الصادقة ..
لا تنتهي عند آخر سطر ..
بل تبدأ رسالتها الحقيقية في قلب القارئ .

ولكل قارئ يمر من هنا .. ولم تسعفه فرصة حضور الحكاية في القروب .. فالحكاية الأصلية كما رواها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بالحرف الواحد متاحة على الرابط التالي لمن أراد أن يعيشها كاملة .

اثر لاينسى
جدة
الجمعة الثالثة من شهر رمضان المبارك
١٧ رمضان ١٤٤٧
٦ مارس ٢٠٢٦

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين  🌿

المقالات الموصى بها

3 لا يوجد تعليقات

  1. زهره المبارك

    رسالة موفقة دكتور مسفر فالنفس أمارة بالسوء وهي تحتاج التهذيب دائما وأبدا بارك الله فيك

  2. ما أروع الوصف وأتقن الخرف وأبلغ القول وأرهف الحِس
    رواية الدكتور مسفر وتعليقك الراقي..
    فكرٌ وبيان وجمال إخراج..
    تقبلي مروري.. حروف خرساء..

    1. أشكرك على كريم كلماتك .. ولطف مرورك .. حفظك الله 🎀

اترك رداً على زهره المبارك إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *