في زمنٍ كثرت فيه المجالس .. وقلّ فيها الصمت .. أصبح الكلام يُقال دون وعي .. واللسان يسبق القلب .. وكأن الأحاديث سُيّرت بلا ميزان ..
لكن المؤمن الحقّ يعلم أن الكلمة أمانة .. وأن المجلس عبادة .. وأن الله يسمع ويرى ..
لا تغتب أحدًا عندي .. لأنني لا أقبل أن تُلوَّث المجالس بذكر الغائبين .. ولا أن تُقدَّم لحوم الناس على موائد الحديث ..
إنها ليست مجرد كلمات تُقال .. بل سهام تُصيب القلوب .. وتمزّق الستر .. وتُذهب الحسنات كما تذرو الرياح الهشيم ..
قال تعالى:
“وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا .. أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ..”
فمن ذا الذي يرضى أن يأكل لحم أخيه؟ .. ومن ذا الذي يهنأ بقلبٍ حمل أوزار الناس دون أن يشعر؟ ..
كن علامةً للخير في كل مجلس .. ليعلم عنك جلساؤك أنك لا ترضى الغيبة .. ولا تسمح لها أن تُقال أمامك ..
اجعل حضورك طهارة .. وصمتك عبادة .. وكلمتك ميزانًا بين العدل والإحسان ..
ولْيكن في وجهك من الحزم ما يُشعرهم أنك تكره أن يُنتقص أحد .. ولو غاب عن الأنظار ..
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا سمع أحدًا يغتاب .. قال له: “أمسك عليك هذا .. ولا تبعثروا حسناتكم” ..
يا لجلال هذه الكلمة! .. إنها تُذكّرنا أن الغيبة ليست حديثًا عابرًا .. بل سارقٌ خفيّ للحسنات .. تُرهق القلب .. وتُعكّر الصفاء .. وتُغضب الرب ..
فكن ذلك القلب النقيّ الذي يرحم الناس بغيبتهم .. ويستر عيوبهم .. ويدعو لهم في الخفاء ..
كن مجلسًا يُكتب في السماء أنواره .. لأن أهله كفّوا ألسنتهم .. واشتغلوا بذكر الله لا بذكر عباده ..
وإذا وجدت من يغتاب .. فابتسم برفقٍ وقل: “دعونا نذكُر من محاسنه ما يجعلنا نحبه أكثر” ..
فالكلمة الطيبة لا تُسكت الغيبة فقط .. بل تُطهّر القلوب أيضًا ..
إن من أعظم أبواب النجاة أن نحفظ ألسنتنا .. فالكلمة إما أن ترفعك عند الله .. أو تهوي بك حيث لا ينفع الندم ..
فاحفظ لسانك .. وزكِّ مجلسك .. وأكرم الغائب بالستر كما تحب أن يُكرمك الناس إن غبت ..
واجعل شعارك ما قاله السلف الصالح: “كونوا حازمين .. ولا تبعثروا حسناتكم” ..
✦ بقلم: أثر لاينسى
✦ المنطقة: جدة – المملكة العربية السعودية
✦ التاريخ: الجمعة 15 جمادى الآخرة 1446هـ
✦ الموافق: 7 نوفمبر 2025م

