والحول والقوة كلها لله … وإنا دون معونته عدم
هناك لحظات في العمر لا ينجينا منها عقل .. ولا يرفعنا فيها جهد .. ولا ينقذنا صوتٌ نصرخ به في أيّامنا المزدحمة .. لحظات نقف فيها على حافة العجز فنكتشف الحقيقة التي نغفل عنها طويلًا ..
أننا بلا الله.. لا شيء .
كل قوة نظنها لنا .. كل خطوة نعتقد أننا نملك زمامها .. كل قرار نظهر فيه صلابة الشكل وثبات الصورة .. ما هي إلا نفخة من معونة الله .. إن سحبها عنّا لحظة .. تهاوت الأرواح حتى قاع لا يُرى .
نحن لا نمشي بقوتنا .. بل برحمته التي تحملنا دون أن نشعر .
ولا ننجو بفطنتنا .. بل بالستر الذي يغمرنا ونحن لا نعرف من أين جاء .
ولا نقوم من انكسار .. إلا لأن يدًا غيبية رفعتنا ونحن نظن أننا نحن الذين نهضنا .
يا صديقي القارئ ..
كلنا نتقن الادعاء أننا أقوياء ..
لكن الحقيقة ؟
نحن أقوياء فقط حين يُمسك الله قلوبنا .
القوة ليست في الخطوات التي نخطوها .. بل في التوفيق الذي يسبقها .
وليست في القرارات التي نتخذها .. بل في اللطف الذي يحمي نتائجها .
وليست في الكلمات التي نقولها .. بل في الصدق الذي يباركها .
حين يدرك الإنسان أن حوله ليس له ..
وأن قوته ليست منه ..
وأن نجاحه ليس بجهده وحده ..
حينها فقط يحيا حياةً مطمئنة ..
لا يُرعبه المستقبل .. ولا يُغريه الإنجاز .. ولا يُسقطه الفشل .
لأن قلبه أصبح معلّقًا بالواحد الأحد ..
لا بالأسباب ..
ولا بالبشر ..
ولا بالأماني التي تمشي على أرض هشة .
إننا دون معونة الله ..
عدمٌ يتنفس .
ضعفٌ يلبس جلد القوة .
حيرةٌ تتقن ادعاء الحكمة .
قلبٌ يسير على طريقٍ معتم يظنه مضيئًا .
لكن ما أجمل تلك اللحظة التي نعود فيها إليه بصدق ..
لحظة نضع رؤوسنا المنهكة بين يديه ..
ونقول بوضوحٍ لا يشوبه كبرياء :
“يا رب .. إن لم تُمسكني.. سقطت”.
وحين نقولها بعمقٍ يليق بضعفنا ..
يمدّ الله لنا من رحمته ما يكفي لنهضتنا كلها .
ننهض بلا ضجيج .. بلا ضوضاء .. بلا إعلان .
فالله إذا أعطى .. أغنى .
وإذا ستر .. أدهش .
وإذا أيّد .. رفعك حتى تندهش أنت من نفسك .
ليس المطلوب أن نكون أقوياء دائمًا ..
المطلوب أن نكون صادقين في اعترافنا بأن قوتنا ليست منا .
وأن قلوبنا لا تستقيم إلا بمعونته .
وأن أرواحنا لا تضيء إلا بنوره .
وأن الحياة لا تُطاق إلا إذا كان الله فيها أولًا .. وآخرًا .. وظلًا لا يغيب .
والحول والقوة كلها لله .. وإنا دون معونته عدم ..
وفي هذا الاعتراف وحده .. يبدأ الضوء .
أثر لاينسى ..
جدة عروس البحر ..
١٤٤٧ / ٢٠٢٥

