موعدٌ مع المجهول .. حين ينتصر الواجب على العاطفة ✿

file 000000002fe4724697fb8392e6079d0d


موعدٌ مع المجهول .. حين ينتصر الواجب على العاطفة ✿

في هذا الشهر الفضيل .. وبعد صلاة التراويح .. اعتدنا من الدكتور مسفر القحطاني أن يحيي قروبنا بروائع من ذاكرته .. بمواقف حقيقية عاشها في الميدان ..  لا يطرحها بوصفها حكايات للتسلية .. بل تجارب تربوية وإنسانية تتسلل إلى الوعي قبل أن تستقر في العقل .. كما يفعل دائمًا .

ليس فقط في رمضان .. بل في سائر الأيام .. فهو لا يدخر جهدًا في إثرائنا أبدًا .. يقتطع من خبراته مواقف .. ويعيد طرحها أمامنا .. يحللها .. يناقشها .. يستنطق تفاصيلها ..
حتى نتعلم .. حتى ننضج .. حتى نصبح أكثر وعيًا في قراءة الإنسان قبل الحكم على السلوك .. وأكثر هدوءًا قبل اتخاذ القرار  .
وخلال العشر الأولى من رمضان تحديدًا كان حضوره مختلفًا .. نابضًا .. متجددًا .. يفتح لنا نافذة خاصة على ذاكرته المهنية .. فيحيي القروب بأروع المواقف التي واجهته في الميدان التعليمي ..  لا بوصفها حكايات شخصية .. بل دروسًا عملية نتعلم منها كيف نفهم الإنسان قبل أن نحاكم تصرفه .. وكيف نقرأ خلف الموقف قبل أن نندفع نحو الحكم .
كان يروي .. ثم يناقش .. ثم يترك لنا مساحة التفكير .. لأن التربية في نظره ليست تلقينًا جامدًا .. بل مشاركة في صناعة الوعي .. وإضاءة لطريق الخبرة عبر الحوار والتأمل .. نحن لسنا مجرد متدربات .. نحن شهود على مدرسة في التفكير .. وعلى عقل يختار الحكمة قبل الانفعال .. والنظام قبل المجاملة .. ويرى أن الكلمة رسالة لا ترف .
في إحدى تلك الليالي أعاد طرح حكاية قديمة من ذاكرته .. حكاية لم تكن وليدة اللحظة .. لكنها عادت حيًة كما لو أنها تحدث الآن .
سمّى هذه الحكاية : موعدًا مع المجهول .. لكنها في حقيقتها لم تكن موعدًا مع شخص .. بل موعدًا مع الضمير .
بدأت الحكاية باتصال خارج وقت العمل .. صوت ضابط كبير في رتبته .. قريب بالنسب .. يحمل قلق الأب أكثر مما يحمل صرامة المنصب .. يشكو معلمًا يرى أن المسافة بينه وبين الطلاب أقصر مما ينبغي .
لم تكن التهمة صريحة ..  ولم يكن الحديث عن انحراف أخلاقي فجّ .. بل منطقة رمادية يخشاها الآباء ويصعب تفسيرها حين تختلف البيئات والثقافات .
وقبل أن تُغلق المكالمة قال بصوت يحمل استعجالًا واضحًا :
“أرجو أن تتم المعالجة بسرعة .. حتى لا أضطر إلى التصعيد .”
توقّف الزمن داخل المعنى .
فالعمل التربوي لا يُدار تحت الضغط .. ولا تُصنع قراراته بظل النفوذ .. ولا تُختصر القضايا الإنسانية في استعجال مهما كان مصدره .
جاء الرد هادئًا .. وقورًا .. حازمًا دون قسوة :
إن أردت معالجة صحيحة فلتكن عبر القنوات الرسمية .. أما التصعيد فليس طريق الإصلاح .
لم يكن يدافع عن ذاته .. بل كان يحمي المؤسسة من أن تتحول إلى مساحة مجاملات .. ويحمي القضية من أن تُدار بانفعال قد يجرح الحق دون قصد.
فالمواقف الكبرى لا تكشف الآخرين فقط .. بل تكشف الإنسان عن نفسه حين يختار بين العاطفة والواجب .
في صباح اليوم التالي ذهب إلى المدرسة .. وكان الاسم الأول للمعلم يتردد في داخله كصوت بعيد لا يهدأ .. اسمٌ مميز .. لكن الصدمة الحقيقية كانت حين ظهر الاسم الكامل في دفتر الدوام .
هناك اكتشف أن المعلم المقصود لم يكن غريبًا .
كان زميل كلية .. بينهما احترام عميق وذكريات لا تموت بسهولة .
هنا لم يعد الموعد مع مجهول .. بل صار الموعد مع النفس .
كيف تواجه صديقًا بشكوى حساسة ؟
كيف تحمي الطلاب دون أن تجرح كرامة رجل يحاول أن يبدأ من جديد ؟
كيف تكون وفيًا للعشرة .. وأوفى للأمانة ؟
كان هذا المعلم قد شغل منصبًا قياديًا سابقًا ثم أُعفي بعد مشكلات إدارية .. ونُقل إلى هذه المدرسة .. حيث قرر مديرها أن يفتح له باب البداية الجديدة ..  وأن يعامله كمعلم يولد من جديد .. حتى أصبح – بشهادة المدير  _ من أفضل معلميه .. بل ومستشاره الخاص .
كان مدير المدرسة رجلًا خلوقًا .. متدينًا .. راقي الطبع .. غير أن القلق كان يسكن أطراف روحه .. يخاف على أبنائه الطلاب كما يخاف الأب على أبنائه .. يتابع تفاصيلهم الصغيرة ويتحسس أي تغير في سلوكهم أو مستواهم .
كان يشعر أن في الزيارة أمرًا غير معتاد .. ومع ذلك لم يسأل .
ليس تجاهلًا .. بل ثقة واتزانًا .. لكنه بقي قريبًا تحسبًا لأي ردة فعل .. لا لأنه يتوقع سوءًا .. بل لأنه يدرك أن التربية لا تقوم على الغفلة .. بل على المواجهة الرحيمة .
دخل المعلم .. وبمجرد أن رأى الزائر انفجر الترحيب دفئًا :
“مرحبًا أبا ناصر .. مرحبًا مليار .”
كان الترحيب صادقًا .. حارًا .. موجعًا في عمقه .. لأن مواجهة المحب أصعب من مواجهة الخصم .
تحدثا عن السنوات .. عن الذكريات .. عن الغياب .. ثم تركه يستدرج الحقيقة بإصرار هادئ .. حتى ألح هو في معرفة السبب وقال بوضوح :
أخبرني .. ما الأمر ؟
عندها قيل له :
هناك شكوى من ولي أمر يرى أن المسافة بينك وبين ابنه أقصر مما ينبغي .
ساد صمت طويل ..  صمت يسبق انكسار النبرة لا ارتفاعها

قال المعلم بمرارة صادقة :
هؤلاء الطلاب مثل أبنائي .. أحتويهم نفسيًا .. أقترب منهم بعاطفة الأب .. وأحيانًا يعبثون بلحيتي فلا أرى في ذلك إلا براءة القلب .
كان يرى في الطلاب أبناءً له .. وهذه أعلى درجات العاطفة التربوية .. لكن الحب في المجال العام يحتاج إلى سياج يحرسه .
جاء الرد نصيحة لا اتهامًا :
ليس كل الآباء يعرفون قلبك .. وأنت تعمل في مجتمع قد لا يشبه بيئتك الأولى .. ومن حقهم أن يقلقوا من أي قرب قد يُساء فهمه .. فاجعل بينك وبين طلابك مسافة مهنية واضحة… لا تُلغي الحنان .. لكنها تمنع القيل والقال .. فالقرب الجميل لا يعني غياب الحدود .
سأله عن صاحب الشكوى .. فجاء الجواب أخلاقيًا حاسمًا :
ليس من أخلاقيات المهنة أن أفتح بينكما نارًا مستعرة .. ما يهمني أن تفهم الفكرة لا أن أعرف الاسم .
انتهى اللقاء بلا صدام .. ولا صوت مرتفع .. ولا باب أُغلق بعنف .. ولا قلب انكسر .
خرج المعلم كما دخل .. كريمًا في وداعه.
والأجمل أن مدير المدرسة لم يسأل .. لا في البداية ولا في النهاية .. كأن فلسفته أن الحكمة أحيانًا أن لا يعلم الإنسان كل التفاصيل .
ثم جاء الاتصال الأخير بالأب القلق ..  فكان التوضيح أن المعلم من أهل الخير والفضل .. وأن ما حدث كان أقرب إلى سوء فهم لسلوك عفوي لم تُدرك أبعاده .. مع التنبيه إلى أهمية المسافة التربوية التي تحمي الجميع .
انتهت الحادثة .. لكن معناها لم ينتهِ.
لأنها لم تكن عن معلم فقط .. بل عن إنسان اختار أن يجعل النظام فوق القرابة .. والأمانة فوق الصداقة .. والهدوء فوق الاستفزاز .. والحكمة فوق الانفعال .
في التربية لسنا أحرارًا في عواطفنا كما نظن .. نحن مؤتمنون على قلوب صغيرة .. وعلى ثقة آباء .. وعلى سمعة مؤسسة .. وعلى أثر سيبقى بعد أن نغادر .
فلا نُدني من نحب حتى نُربكه .. ولا نُقصيه حتى نؤذيه .. بل نحفظ المسافة الحكيمة .. لأنها ليست برودًا بل وعي .. وليست خوفًا بل احترافًا .. وليست جدارًا بل حماية .
فالمسافة الراشدة شكل من أشكال الحب الذي يعرف كيف يصون القلب قبل أن يستهلكه القرب .
وربما لهذا تعود قصصه في رمضان .. لأن رمضان ليس شهر الحكايات فقط .. بل شهر مراجعة النفس .. ومراجعة النية .. ومراجعة معنى الأمانة حين تصمت المصالح ويتكلم الضمير .
لم تكن القصة عن موقف إداري فحسب .. بل عن مسؤولية .. عن خوف صادق على الأبناء ..  عن معلم أو مدير يمتلك قلبًا حيًا لا ينام عن الخطأ، لكنه في الوقت ذاته يتعلم كيف يوازن بين الحزم والرحمة .. بين النظام والاحتواء .
وهنا توقفت طويلًا وتأملت .. هل نوجه الخطاب للمدراء فقط ؟ أم للمعلمين ؟ أم لكل رجل يخاف على الأبناء ؟ لكل من يتصدر مسؤولية تربوية ؟ لكل من بيده روح صغيرة تنتظر منه عدلًا وحكمة ؟
الحقيقة أن الرسالة أوسع من منصب .. وأعمق من وظيفة .. إنها لكل من وُضع في موقع تأثير .. لكل من يخاف الله فيمن استرعاه الله عليهم .. فالقضية ليست لوائح فقط .. ولا أنظمة فقط .. بل ضمير يقظ .. وقلب يخشى أن يُسأل أمام الله عن كلمة قيلت بغير عدل .. أو قرار اتخذ بغير روية .
كم نحن بحاجة إلى هذا النوع من الطرح .. الذي لا يكتفي بسرد القصة .. بل يحرك فينا الإيمان قبل الفكر .. ويذكرنا أن التربية عبادة .. وأن كل موقف نمر به هو اختبار أخلاقي قبل أن يكون إجراءً إداريًا .
تلك الليلة لم نخرج بقصة جميلة فقط .. بل خرجنا بمرآة .. رأى كل واحد منا نفسه فيها .. وسأل نفسه بصمت : كيف أتصرف لو كنت مكانه ؟ وهل خوفي على الأبناء يدفعني أحيانًا إلى التشدد ؟ أم يقودني إلى الحكمة ؟
هكذا يفعل بنا الدكتور مسفر دائمًا .. يعيد إحياء المواقف من الذاكرة .. لا ليحكي الماضي .. بل ليبني الحاضر .. وليجعل من تجاربه جسورًا نعبر بها نحو فهم أعمق لأنفسنا ولمسؤولياتنا .
وما أجمل أن يتحول القروب إلى مجلس علم .. وإلى مساحة وعي .. نتعلم فيها أن القيادة ليست سلطة .. بل أمانة .. وأن التربية ليست كلمات .. بل مواقف .. وأن الخوف الحقيقي على الأبناء لا يعني السيطرة عليهم .. بل يعني أن نكون قدوة لهم في العدل والرحمة والتوازن .
هذه ليست قصة عابرة .. بل رسالة .. لكل معلم .. ولكل معلمة .. ولكل مدير .. ولكل من يحمل في قلبه خوفًا صادقًا على جيل سيقف يومًا بين يدي الله .. ويسألنا قبل أن يُسأل : ماذا قدمتم لنا ؟
وهنا يكمن الأثر الذي لا يزول .. أن نعمل ونحن نستحضر مراقبة الله .. وأن نربي ونحن نرجو وجهه .. وأن نتعلم من كل موقف .. لأن المؤمن الحق لا تمر عليه الأحداث مرورًا عابرًا .. بل يحولها إلى زاد للآخرة .. وإلى بصمة تبقى حتى بعد الغياب .

أثر لا يُنسى
جدة
ليلة السبت ١١ رمضان ١٤٤٧هـ
٢٨ فبراير ٢٠٢٦م

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *