من عمرةٍ مباركة 🕋 ..  إلى درسٍ لا يُنسى 🍃

screenshot ٢٠٢٦٠٢٢٦ ٠٠٤٤٤٠ chatgpt


من عمرةٍ مباركة 🕋 ..  إلى درسٍ لا يُنسى 🍃
دروس في الأمانة المهنية من موقف للدكتور مسفر القحطاني حفظه الله .
في زمنٍ تتسارع فيه العروض … وتتضاعف فيه الأرقام … وتُقاس النجاحات أحيانًا بحجم العائد … يأتي موقف نادر يعيد ترتيب البوصلة.
في ليلة الخميس … الثامن من شهر رمضان المبارك من عام ١٤٤٧ هذا الموسم المفعم بالبركة والنفحات … وفي مساء الخامس والعشرين من فبراير عام ألفين وستة وعشرين … سرد المدرب قصته لنا في قروب مدربات مبدعات … لا بوصفه حدثًا مضى … بل درسًا يولد الآن أمام أعيننا.
فشهر الصيام ليس زمنًا يمر … بل روحٌ تلامس الكلمات حين تُروى بصدق.
وما يُطرح في هذا الشهر الكريم يكتسب من سكينته نورًا … ومن بركته معنى … كأن المعاني فيه تتطهّر حتى تصل إلى القلوب نقية هادئة.
ثمانية آلاف وأربعمائة ريال … وستون قلبًا جاءوا يبحثون عن أثرٍ من علم.
لكن القصة لم تكن قصة رقم … بل قصة ضمير.
لقد طلب منه المشرف أن يضيف جزءًا من الحقيبة التدريبية … لأن القاعة لم تجد من يملأ تلك المساحة المعرفية بعد.
وكان الطريق مفتوحًا أمام الإغراء … فالعرض لم يبقَ عند حد الطلب … بل تجاوز ذلك إلى الإلحاح … ثم إلى وعدٍ بمضاعفة الأجر … ثم إلى ثلاثة أضعاف الرقم .

ولم يكن وجوده في تلك المدينة صدفة عملٍ مجردة … بل سبق ذلك أداء عمرةٍ في بيت الله الحرام … عمرةٍ بدأ بها رحلته … كأنما أراد أن يدخل إلى رسالته من باب الطمأنينة أولًا … وأن يسبق المنصة بسجدة … ويسبق التصفيق بخلوةٍ بينه وبين ربه …
وبعض القرارات لا تُولد في القاعات … بل تُولد هناك … حيث يخفّ صوت الدنيا … ويعلو صوت الضمير.
لكن المدرب وقف في مساحةٍ بين القلب واليقين … وقال بهدوء يشبه سكينة القلب …
“لن أقدم برنامجًا لا أتقنه تمامًا … احترامًا لنفسي … واحترامًا لمن دفع.”
كان الصوت بسيطًا … لكن خلف بساطته كانت تقف جبال من المعنى.
فليس كل ما نقدر عليه … يجب أن نفعله … وليس كل بابٍ يُفتح … يعني أن ندخله.
إن المعرفة حين تُقدم ناقصة … تشبه ضوءًا أُطفئت نصف مصابيحه في ليل المتعلمين.
وفي عمق المعنى يمكن القول … إن الأخلاق حين تتجرد من المصلحة تصبح أكثر إشراقًا من أي مهارة … كأن الضمير حين يطمئن يصنع حول الإنسان هالة من الوقار لا تراها العيون لكنها تشعر بها الأرواح.
الأمانة قبل القدرة
قدرة المدرب على الارتجال لا تعني صلاحيته للتقديم … وخبرته العامة لا تبرر دخوله مجالًا لا يتقنه بعمق.
المدرب المحترف لا يسأل … هل أستطيع أن أؤديها … بل يسأل … هل أستحق أن أقدمها …
فرق شاسع بين الاستطاعة والاستحقاق.
الحدود المهنية حين تختبرها الفزعة
حين عاد المنظم يطلبها فزعة … لم تكن المشكلة في المال … بل في اختلاط العاطفة بالمهنية.
الحدود المهنية لا تُرسم في أوقات الهدوء … بل تثبت عند أول ضغط.
الثبات هنا لم يكن عنادًا … بل وضوح هوية.
الكلمة ميثاق
وعندما طُلب منه لاحقًا تخفيض أجره بسبب كثرة المصاريف … كان بإمكانه أن يتمسك بالعقد وينتهي الأمر.
لكنه اختار مسارًا آخر … قال … “لا أريد منك ريالًا واحدًا.”
ليس استعراضًا … ولا بطولة … بل انسجامًا داخليًا مع قسم قطعه على نفسه.
قد نختلف مهنيًا مع فكرة التنازل الكامل … لكننا لا نستطيع أن نتجاهل نقاء الدافع.
لقد قدّم رسالة صامتة تقول … المال وسيلة … لكن السمعة ضمير.
ماذا نتعلم نحن كمدربات
في عالم التدريب … السمعة لا تُبنى بعدد الشهادات … بل بعدد المواقف.
… ليس كل عرض فرصة.
… ليس كل إلحاح مسؤولية.
… وليس كل مبلغ يستحق أن نغامر بسمعتنا لأجله.
الأمانة المهنية ليست شعارًا يُكتب في السيرة الذاتية … بل قرارًا يُتخذ في اللحظة الصعبة.
الرسالة التي تسبق الربح
ربما خرج المدرب من البرنامج بلا مقابل مالي … لكنه خرج بأمرٍ أثمن …
رضا داخلي لا يُشترى … وثقة متدربين لا تُقدّر بثمن … وقيمة ستُروى يومًا كدرسٍ في أخلاقيات المهنة.
وفي زمن كثرت فيه المهارات … تبقى الأخلاق هي المهارة الأعلى.
ولم يكن حديث المدرب عن الرحلة إلا لمسة روحانية عابرة … إذ أشار إلى أنه جعل من سفره فرصة لسكينة النفس وقصد بيت الله الحرام … مستحضرًا معنى أن تتجاور المعرفة مع صفاء القلب … وأن يسير الإنسان بين أداء الرسالة وطلب القرب من الله.
فبعض الرحلات ليست انتقالًا في المكان … بل ارتقاء في الداخل … حيث تتصالح الخطى مع الروح … ويهدأ القلب وهو يحمل علمًا ينفع الناس.
ولم يكن في ذكر ذلك إلا تذكيرًا لطيفًا بأن المدرب حين يحمل رسالته … فإنه يحملها بعقل يقظ … وقلبٍ يعرف أن العلم أمانة قبل أن يكون حضورًا أمام القاعات.
إلى كل مدربة
يا من تقفين أمام قاعة تنتظر منك كلمة … أو شاشة تنتظر منك حضورًا … أو متدربات دفعن من أموالهن ليحصلن على علمٍ صادق
.

تذكري دائمًا … ليس أعظم ما تقدمينه هو مهاراتك … بل نزاهتك.
قد يأتيك عرضٌ أكبر … وقد يُقال لك … “أنتِ تستطيعين” … وقد يُغريك الرقم … لكن اسألي نفسك قبل أن تجيبيهم …
هل سأخرج من القاعة ورأسي مرفوع … أم بقلقٍ أخفيه بابتسامة …
التدريب رسالة … والرسالة لا تُحمَل بيدٍ تبحث عن التصفيق فقط … بل بقلبٍ يخاف أن يخون الأمانة.

ليس المهم أن نقول نعم كثيرًا … بل أن نعرف متى نقول لا … بثباتٍ يشبه الجبال.
كوني مدربةً إذا وعدت أوفت … وإذا لم تتقن اعتذرت … وإذا خُيّرت بين المال وضميرها … اختارت أن تنام مطمئنة.
ذلك هو الاحتراف الحقيقي … وتلك هي القيادة التي تُكتب في القلوب قبل الشهادات.
وفي نهاية هذا الحديث الذي رواه المدرب … تبقى العبرة لا في القصة نفسها … بل في القلب الذي يحسن اختيار الطريق حين تتزاحم أمامه الأصوات … فيصنع من الأمانة مبدأً … ومن الضمير وطنًا للقرار
.

أثر لاينسى
جدة
الخميس ٩ رمضان ١٤٤٧
٢٦ فبراير ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *