هناك أماكن لا تحتاج أن تتكلم كثيرًا كي تُحدِث فينا تغييرًا عميقًا ..
أماكن يكفي أن ندخلها ..
حتى نشعر أن شيئًا ما بداخلنا بدأ يستقيم ..
وكأن الأفكار التي كانت تتصادم في رؤوسنا صارت فجأة تهمس بنظام جديد ..
مثل هذه المكتبة ..
جدران من الرفوف العالية التي تتسلقها الكتب كما تتسلق الأرواح طريقها إلى الفهم ..
ومقعد جلدي واحد في المنتصف ..
يشبه اعترافًا صريحًا بأن الإنسان لا يحتاج سوى لحظة عزلةٍ نبيّلة ليكتشف نفسه من جديد ..
هنا ..
لا أحد يطلب منك أن تكون قويًا ..
هنا ..
لا أحد ينتظر ردّك السريع ..
ولا تصفيقك ..
ولا عطائك المرهق ..
هنا أنت فقط ..
وبين يديك نافذة من ورق ..
تمتدّ حتى آخر العمر .
في هذا المكان تتذكّر أن الهدوء ليس هروبًا ..
بل امتداد للروح خارج الضجيج ..
وتتذكّر أيضًا أن القراءة ليست ترفًا ..
بل عملية إنقاذ ناعمة ..
تنقلك من سطح حياتك إلى العمق الذي نسيت أنك تملكه ..
هذا الكرسي المضيء في منتصف المكان ..
يذكّرك بأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى مساحة واسعة ليكون كبيرًا ..
بل يحتاج إلى مساحة صادقة فقط .
هنا ..
تبدأ الأسئلة تتخفّف ..
وتبدأ الجراح تستريح ..
وتبدأ الروح في خلع طبقات الغبار التي التصقت بها طوال الأيام المزدحمة .
تجلس ..
تفتح كتابًا ..
وتكتشف أنك لم تكن تبحث عن قصة جديدة فقط ..
بل كنت تبحث عن نفسك بين السطور ..
كل كتاب على هذه الرفوف يحمل حياة كاملة ..
صوتًا لم يُطفأ ..
وذاكرة لم تُدفن ..
وكل قارئ يجلس هنا ..
يضيف إلى هذا المكان روحًا مضيئة لا يراها أحد ..
لكنها تبقى معلّقة في الهواء كعطرٍ هادىء لا يتبخر .
وكم نحتاج — نحن أبناء الركض — أن نقف هنيهة في هذا الكون ..
لنقول لأنفسنا: مهلًا ..
قبل أن تهزمك الحياة ..
اجلس ..
واقرأ ..
وتعافَ .
فالمكتبات لم تُخلق لحفظ الورق ..
بل لحفظ الإنسان .
أثر لاينسى ..
جدة .. الأحد ٢ من شهر جمادى الآخرة .. الموافق ٢٣ نوفمبر ٢٠٢٥ م .

