رائحة الإخلاص

img 20251125 080940 015


هناك روائح لا تُشم بالأنف .. بل تُشم بالروح .. تُدركها القلوب قبل أن تدركها الحواس .. تلك هي رائحة الإخلاص؛ الرائحة التي لا تُصنع ولا تُزيَّف ولا تُشترى .. وإنما تفوح من قلب صدق مع الله سرًّا قبل أن يصدُق علنًا.
قال ابن الجوزي رحمه الله:
«فمَن أصلح سريرته .. فاح عبير فضله .. وعبقت القلوب بنشر طيبه.»
«فالله الله في السرائر .. فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر.»
كلمات ليست مجرد وعظ .. بل قانون روحي لا يتبدّل. فمن كان لله في خلوته .. كان الله له في حضوره .. ومن صفّى باطنه .. صَفَت له الحياة .. وفتحت له الأبواب دون أن يطرقها .. ووضع الله له قبولًا في الأرض لا يعرف سببه إلا هو.
الإخلاص ليس أن نُرى .. بل أن نُخفى.
ليس أن نُثنى أمام الناس .. بل أن نُرضي رب الناس.
ليس أن نُسمع أصواتنا .. بل أن نُسمِع أعمالنا لسماءٍ لا تنسى.
إن سرائرنا يا صديقي هي عالمنا الحقيقي .. هي الامتحان الذي لا يراه أحد .. وهي المكان الذي تُكتب فيه درجاتنا قبل أن تُكتب في صحائف الملائكة.
ولذلك: ما أسرَّ عبدٌ خيرًا إلا أظهره الله .. ولو بعد حين .. وما خبّأ شرًّا إلا افتضح مهما طال الستر.
ورائحة الإخلاص لا يفوح عبيرها حين نتكلّم .. بل حين نكون.
حين نعمل بنقاء .. ونمنح دون مِنّة .. ونُحب بلا ضجيج .. ونخدم بلا كاميرات .. وننصح بلا رغبة في إشادة .. ونثبت في الطاعة حتى لو كنا وحدنا في هذا الطريق.
إن الإخلاص هو تلك اليد الخفية التي تدفعك للخير دون أن يصفّق لك أحد .. وتمنعك عن الشرّ حتى لو لن يراك أحد .. وتجعلك تستحي من الله أكثر مما تستحي من الناس.
وحين يسكن الإخلاص في القلب .. تتغير ملامح الحياة كلها.
تصير العطايا بركة .. والابتلاءات رحمة .. والعمل القليل ثِقَلاً في الميزان .. والكلمة الطيبة طريقًا إلى نور لا ينطفئ.
والأهم:
أنك ترتاح.
ترتاح من إرهاق التمثيل .. ومن جهد الإظهار .. ومن الركض خلف رضا الناس.
ترتاح لأنك أنهيت الحرب الأكبر .. الحرب مع نفسك.
والله إن رائحة الإخلاص لا يشبهها شيء.
هي عبيرٌ تتلقفه السماء قبل الأرض .. وتعطي صاحبه مهابة لا تُشترى .. وقبولًا لا يُفسَّر .. وبركةً تتسلّل إلى حياته كما تتسلّل النسائم العليلة إلى القلوب في ليالي الصفاء.
يا الله .. ما أطيب من عبدٍ أخلص .. فطاب .. وصدق .. فارتفع .. ونقى قلبه .. فكان طاهر الأثر أينما حلّ.
فالله الله في السرائر .. فإنها الكتاب الحقيقي الذي نُحاسَب عليه .. والنيّة هي المفتاح الذي يفتح أبواب السماء .. والإخلاص هو العطر الذي لا يزول .. ولا يخفت .. ولا يضيع .

أثر لاينسى ..
جدة .. عروس البحر
الثلاثاء ٤ من شهر جمادى الآخرة ١٤٤٧ .. الموافق ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٥ م .

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *