دِقَّه وجِلَّه بَديع

img 20251115 wa0092

في هذا الكون المهيب .. لا شيء يمر عبثًا .. لا صغيرة ولا كبيرة .. إلا وفيها بديع صنع الله ..
كل ما في الوجود ـ من دِقِّه وجِلِّه ـ يهمس بعظمة الخالق .. ويرسم لوحة لا نظير لها .. كأنها آية من آيات الجمال الإلهي على صفحة الحياة ..

تأمل النملة وهي تحمل رزقها بحكمةٍ وصبر ..
وانظر إلى الجبال الراسخة .. كيف تثبت الأرض وتُعلن الثبات درسًا خالدًا ..
في كل تفصيل .. في كل ذرة هواءٍ تمرّ .. رسالة تقول: سبحان من أتقن كل شيء خلقه ..

ما أعجب الإنسان حين يغفل عن هذا الجمال المتناثر من حوله ..
نبحث عن المعجزات في البعيد .. بينما المعجزة تمشي معنا .. تلازم أنفاسنا .. وتنبض في صدورنا ..
القلب حين ينبض بلا إذنٍ من أحد .. والعين حين تبصر .. والنور حين يملأ الطريق ..
كل ذلك من بديع صنع الله في دِقِّه وجِلِّه ..

فيا أيها القلب .. قِف قليلًا .. وتفكّر ..
ليس في الكون صدفة .. ولا في الحياة عبث .. بل حكمة تتجلّى في كل ما تراه ..
حتى البلاء الذي يحزن قلبك .. فيه لطف خفي .. يُخفي الله به عنك ما لو رأيته لهان عليك كل ما فاتك ..

ما أروع أن يعيش الإنسان وهو يرى أثر رحمة الله يعمل في الخفاء ..
تُبدّل الأحزان سعادة .. وتُهدي الدرب نورًا بعد عتمة .. وتُبدع تفاصيلًا في حياتنا لا نُدرك جمالها إلا بعد حين ..

دِقَّه وجِلَّه بديع ..
في ريشة الطائر التي لا تُشبه أختها ..
في وجوه الأطفال التي تُشبه النور ..
في اختلاف الألسنة والألوان ..
في المطر حين يهطل .. وفي الورد حين يبتسم بعده ..
في الحروف حين تلتقي لتُسكب شعرًا أو دعاءً أو عزاءً ..

كل ما في الكون من بديع .. إنما هو ظلّ من جمال الخالق وعظيم قدرته ..
فسبحانه من جعل في التفصيل درسًا .. وفي التفاصيل جمالًا .. وفي الجمال طريقًا إليه ..

وليس الجمال فيما نرى فقط .. بل فيما نشعر به أيضًا ..
في اللحظة التي يطمئن فيها قلبك بلا سبب ..
في النجاة التي تأتيك من حيث لا تحتسب ..
في فكرة تلتمع في بالك فتغيّر مسارك ..
في كلمة صادقة تسمعها فتزيح عن روحك غيمة ثقيلة ..
كل ذلك من دِقَّه وجِلَّه الذي لا يعمله إلا الله ..

وأروع الجمال ما يزهر في داخلك حين تتذكّر أن الله أقرب إليك من أن تُسميّه قربًا ..
قريبٌ من حزنك ..
قريبٌ من خوفك ..
قريبٌ من وردتك الذابلة التي يُعيد إليها الحياة حين يريد ..
فسبحان من يحيي الروح قبل أن يحيي الجسد .. ومن يبدّل قسوة الأيام بردًا وسلامًا على قلوب عباده الصابرين ..

تأمّل كل هذا البديع .. ثم اسأل نفسك:
كيف لا أطمئن وأنا في فلك كله منظم بحكمة ..؟
كيف لا أهدأ وأنا بين يدي خالقٍ رحيمٍ لا ينسى دِقَّة تفاصيل حياتي ولا جِلَّها ..؟
كيف لا أرضى وقد كتب لي الخير حتى فيما لم أفهمه بعد ..؟

إنه الكون الذي صنعه الله بالدقة نفسها التي يصنع بها أقدارنا ..
وبالرحمة نفسها التي يفتح بها لنا الأبواب حين نطرقها بصدق ..

فطوبى لمن رأى الله في تفاصيل يومه ..
وفي تفاصيل حزنه ..
وفي تفاصيل الفرح الذي يأتي بعده ..
وتأمّل في كل ما حوله ..
فوجد أثرًا من نور الله يسري في الأشياء كلها .

✍️ بقلم: أثر لا يُنسى
جدة .. عروس البحر الأحمر

الجمعة ١٨ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ
الموافق ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥ م

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *