حين رفضت الدعاء لزوجها

screenshot ٢٠٢٥١١١٩ ٠٤٠٥١٠ gallery

من أغرب الاستشارات التي واجهتها في حياتي .. استشارةٌ مرّت بي .. ولا تزال عالقةً في ذهني كغصّةٍ من الدهشة ..

امرأةٌ ترفض أن تدعو لزوجها .. رغم أن زوجها لم يكن سيئًا .. ولم تكن المشكلة إلا مسألة عابرة بسيطة ..

قلت لها بلطفٍ ونيةِ إصلاحٍ ..

“ادعي له يا عزيزتي .. اسألي الله أن يُصلحه لكِ .. وأن يُؤلّف بين قلبيكما .. وأن يجعل بينكما مودة ورحمة ..”

فأجابت بحدّةٍ غريبةٍ لا تليق بقلب زوجةٍ مؤمنة ..

“ولماذا أدعو له ؟! أهله يدعون له .. أنا لا علاقة لي بالدعاء له ..!”

توقفتُ لحظة .. وقلبي بين الصدمة والحزن .. أيعقل ؟ أيوجد في هذا الزمان قلبُ امرأةٍ يأنف أن يرفع يديه لربه بالدعاء لزوجٍ هو سترها .. وسكنها .. وأبو أبنائها .. وشريك عمرها .. ؟

وذلك الزوج .. الذي ترك بيوت الناس جميعًا .. واختارها من بين العالمين .. لتكون ملكة متربعة على عرش قلبه ..

يا سبحان الله .. أين ذهبت النية الصافية التي كانت تجعل المرأة الصالحة تبكي في جوف الليل .. تناجي ربها أن يحفظ زوجها من كل سوء .. ؟ أين تلك الأرواح التي كانت ترى في الدعاء وصلاً لا ينقطع .. وعطاءً خفيًا يثمر حبًا ووفاءً ورضا .. ؟

لقد تبدلت المفاهيم .. صار البعض يرى الزواج ميدان صراع .. لا ميثاقًا غليظًا أقامه الله بالمودة والرحمة .. صار الدعاء عند بعض النساء تنازلاً .. لا تفضلاً .. ! ونسين أن الدعاء ليس ضعفًا .. بل هو قوة قلبٍ مؤمنٍ يعرف قدر النعمة .. ويصونها بالدعاء لا بالجدال ..

أيّ قلبٍ هذا الذي يبخل على من تعب لأجلها .. وسعى ليسعدها .. بدعاء صادق له في سجدة خاشعة .. ؟ وأيّ فهمٍ هذا الذي جفّ حتى عن أبسط معاني الوفاء .. ؟

وحتى نتذكّر واجب الزوجة الصالحة وبرّها لزوجها .. جاءنا النبي ﷺ ليعلمنا ..

«التي تَسُرُّه إذا نظر .. وتُطيعُه إذا أمر .. ولا تُخالِفُه في نفسها وماله بما يكرَه» ([النسائي])

فكيف نغفل الدعاء للزوج .. ؟ وكيف نتجاهل أن برّ الزوجة وحسن معاملتها يرفع قدْر البيت ويُبارك الحياة الزوجية .. ؟

إن الرجل ليس آلةً جامدة .. ولا كتفًا صلبًا فقط .. بل هو قلبٌ يُرهق .. وروحٌ تُنهك .. وابتسامةٌ يخفي خلفها أحيانًا ألف تعبٍ وهم .. وكما تحتاج المرأة الحب والاحتواء .. يحتاج هو الاحترام والدعاء ..

يا نساء اليوم .. ادعين لأزواجكن .. لا لأنهم يستحقون فحسب .. بل لأن الدعاء له يزكي القلوب .. ويجعلها أنقى وأقرب إلى الله ..

فمن رفعت يديها خفيةً وقالت ..

“اللهم أصلحه لي .. وأصلحني له ..”

فقد أحيت بيتها بالسكينة .. ورزقها الله بركةً لا تنطفئ ..

أين نحن من أمهاتنا الصالحات .. ؟ كنّ يرين في أزواجهنّ قَدَر الله الجميل .. لا امتحانه القاسي .. يصبرن .. ويشكرن .. ويدعين .. فيفيض الله عليهن بركةً في العمر والذرية والرزق ..

أما تلك التي ترفض الدعاء لزوجها .. فهي لا ترفض زوجها في الحقيقة .. بل ترفض نعمةً ساقها الله إليها لتكون سترًا وسندًا .. تُغلق باب الرحمة بيديها .. ثم تشتكي من برد الحياة ووحشة الأيام ..

وفي ختام تلك الاستشارة .. لم أجد حلًا أقدمه لتلك الزوجة إلا أن قلتُ لها بهدوءٍ يشبه الوجع ..

“راجعي علاقتك مع الله أولًا .. ثم استشيريني بعدها .. فمن أصلح صلته بربه أصلح الله له كل علاقاته بالخلق ..”

تلك العبارة خرجت من قلبي .. لأني أيقنت أن من ضعف تواصله مع خالقه ضعف عطاؤه في كل صلةٍ بشرية .. وأنّ المرأة التي لا ترفع يدها لله بالدعاء له .. ستعجز عن رفع قلبها له حبًّا يومًا ما ..

يا كلّ زوجة تقرأ هذه السطور .. الدعاء له ليس ضعفًا .. بل هو قمّة القوة والإيمان والأنوثة .. هو بركةٌ تزرعينها في الغيب .. فتثمر في الواقع سكينةً وسعادةً وأمانًا ..

فادعي له .. وارفعي اسمه في جوف الليل .. وستشعرين كيف يُبدّل الله بينكما الحال .. فمن دعا لغيره بصدقٍ نال نصيبه من الرحمة قبل أن تصل إلى الآخر ..

اللهم .. ألّف بين قلوب الأزواج والزوجات .. واجعل بيوتهم رياضًا من السكينة .. وألهم قلوبهم الدعاء لبعضهم .. فبالدعاء يُعان الإنسان .. وتُروى الأرواح .. ويزدهر الودّ بعد الذبول ..


بقلم .. أثر لاينسى ..
الأحد 9 ربيع الآخر 1447هـ ..
الموافق 9 نوفمبر 2025م ..
جدة .. عروس البحر الأحمر ..

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *