المتعاظم الهش 🎈
حين يُهزم الغرور .. ويولد المعلم من جديد
في تمام الساعة الثالثة وتسع دقائق عصرًا ..
لم يُرسل الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني قصة .
لم يكتب مقدمة .
لم يمهد لفكرة .
كتب عنوانًا واحدًا ..
ثم انسحب بهدوء الواثق :
“ المتعاظم الهش“
ثم سألنا :
وش تتوقعون قصته ؟
وهنا بدأ العرض الحقيقي .
لم يبدأ بسرد الحكاية ..
بل بسرد العقول .
تدفقت التوقعات :
هو شخص يتعالى ليخفي نقصًا .
هو من يتكبر ليحمي قلبًا يرتجف .
هو القوة الناعمة .. الضعف القوي .. الصمت الناطق ..
كأن العنوان لم يكن كلمة ..
بل مرآة .
كلٌ رأى فيها نفسه أو من حوله .
ثم جاء الموعد .
بعد صلاة التراويح .
وكعادته .. بدأ بالسلام .
ونبدأ نحن بالإنصات .
مدرسة متوهجة .. وشرخ خفي
مدرسة أهلية .
فريق صفوف أولية متجانس على نحو نادر .
مدير قوي إداريًا .
معلمون حماسهم يسبق خطواتهم .
بيئة تعليمية تكاد تقول : نحن بخير .
ثم دخل عنصر جديد .
معلم اختير من بين 300 معلم من بلده .
خمس سنوات خبرة .
وفي صدره يقين أنه استثناء .
ولأن لغة الجسد لا تجامل ..
قرأ المشرف التنافر قبل أن يسمعه .
ثلاثة معلمين في جهة ،
ومعلم في جهة أخرى .
والمسافة ليست في المكان ..
بل في الشعور ..
وهنا تبدأ الحكاية .
ليس كل تعاظم قوة .. وليس كل صمت رضا
قال المدير :
اختير من بين 300 معلم .. ولعل ذلك جعله يتعامل بفوقية .
العجيب ؟
الجميع من جنسية واحدة .
لكن الغربة كانت حاضرة .
غربة نفسٍ قبل أن تكون غربة وطن .
قرأ المشرف المشهد ..
ولم يختر الطريق السهل .
لم يزره زيارة تقويم عابرة .
لم يعظه بكلمات مباشرة .
لم يفضحه أمام زملائه .
بل اختار استراتيجية صادمة .. واعية .. دقيقة .
الاستراتيجية التي زلزلت القناع : 100 / 0
قال له :
سأزورك عدة مرات .
في كل زيارة أرصد عشر ملاحظات سلبية .
لن أذكر إيجابية واحدة .
حتى نصل إلى الملاحظة رقم 100 .
ولك حق رفض أي ملاحظة لا أستطيع إقناعك بها .
وافق فورًا .
الثقة الزائفة لا ترى الفخاخ التربوية ..
ولا تشعر أن المرآة قد تكون حادة .
لكن الهدف لم يكن تحطيم إنسان .
بل تحطيم ورمٍ معرفيٍّ تضخم حتى غطّى الحقيقة .
الزيارة الأولى : ارتجاف الصوت
دخل المشرف الفصل .
درس حماسي .. حركة .. صوت عالٍ .. ثقة ظاهرة ..
لكن تحت السطح ؟
نقص في المهارات .
ضعف في الاستراتيجيات .
ثغرات لا تغطيها الحماسة .
رصد عشر ملاحظات للنقاش .
واحتفظ بخمس عشرة احتياطًا .
في غرفة الاجتماع بدأ الصوت يرتفع .
اليد تتحرك بعصبية .
النبرة تتوتر .
ثم …
سقطت أول قطعة من القناع .
اعترف بالعشر .
خرج مثقلاً .
والمدير شاهد .
تلك الليلة ..
لم يستطع النوم .
وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي .
حين يُغلق الباب ..
ويفتح الإنسان ملفه مع نفسه .
الزيارة الثانية : بداية الصدق
استقبله بابتسامة .
لكنها لم تكن ابتسامة غرور ..
بل ابتسامة مراجعة .
قال :
لم أنم تلك الليلة .
ثم فكرت .
فوجدت ملاحظاتك صحيحة ..
بل أكثرها لا أعرفه .
يا الله .
ما أقسى أن يكتشف الإنسان أنه كان يعيش في وهم الكفاية .
وما أجمل أن يعترف بذلك .
الغرور حين يُواجه بالحقيقة بلا إهانة ..
ينكمش .
لا لأن أحدًا كسره ،
بل لأنه لم يجد ما يتكئ عليه .
الزيارة الثالثة : ولادة مختلفة
هذه المرة لم ينتظر الملاحظات .
رصد أخطاءه بنفسه .
سأل .
استفسر .
ناقش بروح طالب لا بروح متعالٍ .
هنا قال المشرف كلمته الفارقة :
لن تكون هناك زيارة رابعة ..
فقد تحقق الهدف .
ثم قال له ما يجب أن يُكتب بماء الوعي :
ما أردت تحطيمك كشخص ..
لكن أردت تحطيم الغرور الذي في صدرك .
ثم جاءت الجملة التي اخترقت القلوب :
جمعت على نفسك غربتين ..
غربة الوطن .. وغربة الزمالة .
وهنا ليست الحكاية عن تعليم فقط .
بل عن إنسان .
الإنسان إذا فقد وطنه ..
يبحث عن سند .
وإذا فقد زملاءه ..
ضاع في وحدته .
أي قسوة أن يعيش المرء غريبًا مرتين !
العمق الذي لم يُقل صراحة
المتعاظم ليس شريرًا .
هو خائف .
خائف من المقارنة .
خائف من الانكشاف .
خائف أن يُكتشف أن “اختياره من بين 300”
لا يعني أنه بلغ الكمال .
فلبس قناع التعالي .
ليخفي هشاشة الداخل .
لكن القائد الحكيم
لا يحارب القناع ..
بل يزيله بهدوء .
الدرس لنا .. قبل أن يكون له
كم مرة رأينا متعاظمًا هشًا ؟
وكم مرة — لو صدقنا — كنا نحن كذلك ؟
حين نُكثر الحديث عن إنجازاتنا ..
ربما لأننا نخشى أن تُسلب .
حين نرفض النقد ..
ربما لأننا نخشى أن نصغر في أعين أنفسنا .
لكن الحقيقة المؤلمة الجميلة تقول :
كلما ازداد الإنسان علمًا .. ازداد تواضعًا .
وكلما اتسعت معرفته .. أدرك ضآلة ما يعلم .
هناك معلمون أمضوا ثلاثين عامًا في التعليم .
ويشعرون أنهم ما زالوا في عامهم الأول .
وهناك من ظن أن خمس سنوات تكفي ليجلس على عرش التميز .
الأول قوي لأنه يعرف نفسه .
والثاني هش لأنه يخاف أن يعرفها .
نزعة القلب قبل نزعة العقل
التواضع ليس مهارة مهنية فقط .
هو عبادة قلبية .
قال تعالى في كتابه الحكيم :
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾
الهون ليس ضعفًا ..
هو قوة مطمئنة .
قوة لا تحتاج أن تصرخ لتُثبت وجودها ..
المعلم الذي يمشي هونًا بين زملائه ..
هو الأثبت أثرًا ..
والأبقى ذكرًا .
الخاتمة التي تشبه البداية
في الثالثة وتسع دقائق ..
كتب عنوانًا وغادر .
وفي الحادية عشرة ليلًا ..
أعاد إلينا معنى القيادة .
لم تُحطم شخصية .
بل سقط قناع .
لم يُهزم معلم .
بل وُلد معلم جديد .
وما بين العنوان والخاتمة
رحلة إنسان
من التعالي إلى التواضع ،
ومن الوهم إلى الوعي ..
ومن الغربة إلى الانتماء .
سلامٌ على قائدٍ
يعرف أن التربية ليست نقل معرفة فقط ..
بل تهذيب نفس .
وسلامٌ على كل من قرأ هذه الحكاية
ثم سأل نفسه بهدوء :
أين أنا من “المتعاظم الهش” ؟
فرب سؤالٍ صادق ..
يبدأ به ميلاد جديد 🌿
✿ ─── 🌸 ─── ✿
و لأن هذه المدونة يمر بها قرّاء قد لا يعيشون أجواء القروب ..
وقد لا يعرفون سياق الحكاية كما عشناها لحظةً بلحظة ..
ولأن من الأمانة الأدبية أن يُنسب القول لصاحبه كما هو ..
رأيت أن أضع القصة كاملة كما رواها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ..
بكلماته وتسلسلها وروحها ..
حتى يعيش القارئ التجربة كما عشناها نحن ..
نص الحكاية كما وردت بقلم الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني (دون تصرف) عبر الرابط التالي :
أثر لاينسى
جدة ..
الخميس ١٦ رمضان ١٤٤٧
٥ مارس ٢٠٢٦

