اليوم لسنا أمام حكاية عابرة ..
اليوم نحن أمام مشهدٍ إنسانيٍّ يهزُّ الفطرة قبل العقل ..
ويوقظ الضمير قبل القلم .
اللؤم في أبشع صوره ..
حكاية بدأت بالمطر ..
وانتهت بغصّة ..
في ليلةٍ غمرتها أمطار الأحساء بفضل الله ..
لم يكن البلل في الطرقات وحده ..
بل كان في الحكاية ما يُبلل القلب دهشةً وألمًا ..
كتب الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني في وقتٍ مبكر :
“الليلة بحمد الله وفضله وكرمه غمرتنا الأمطار .. لذا نبدأ مبكرًا .”
وكأن المطر كان إيذانًا بغسل شيءٍ ما ..
أو كشف شيءٍ ما ..
ثم وقف محتارًا بين عنوانين :
هل يسميها لئيم بامتياز ؟
أم اللؤم في أبشع صوره ؟
واستقرّ قلبه على الثانية ..
وكأن الأولى تصف شخصًا ..
أما الثانية فتكشف خُلقًا حين يتجرّد من كل قيد .
البداية : معروفٌ .. ومغامرة ■■■
تحوّلت إليه معاملة تتناول خلافًا بين معلم ومدير ..
لكنها لم تكن خلافًا إداريًا تقليديًا ..
بل مفارقة أخلاقية يصعب على العقل أن يستوعبها .
المعلم كان مشرفًا على الأمن والسلامة ..
وكانت الوزارة تمنح آنذاك حوافز ..
من أهمها إجازة أسبوع غالبًا في وقت الاختبارات .
مغنمٌ ينتظره كثيرون ..
ثم صدر تعميم بإيقاف الحوافز ..
صدمة ..
لكن المدير ..
تعاطف .
راسل إدارة التعليم .. رُفض طلبه .
اتصل ببعض أصحاب القرار .. لم يُفلح .
ومع ذلك ..
غامر ..
منح المعلم الإجازة تقديرًا لجهده .
مخالفًا النظام ..
متحملًا المسؤولية كاملة .
والمعلم؟
شكره ..
استمتع بإجازته ..
وانتهى الفصل الأول ..
التحوّل : من الشكر إلى التمرّد ■■■
في الفصل الدراسي الثاني
بدأ المعلم يذهب إلى المستشفى دون إشعار مسبق ..
يتكرر الغياب ..
يربك اليوم الدراسي ..
يضع المدير في حرج .
اضطر المدير إلى مساءلته
هنا تبدأ القصة الحقيقية ..
لم يشتكِ المعلم مساءلته .
لم يناقش غيابه ..
لم يعترض على إجراء ..
بل كتب في شكواه :
أشتكي المدير الذي أخرجني إجازة لمدة أسبوع من غير مستند نظامي .
وكيف يؤتمن من يخالف النظام؟
وقد خرجت بإجازة لا أستحقها .
تخيلوا المشهد
المستفيد يشتكي المحسن ..
المتمتع بالعطية يتهم المعطي ..
أيُّ قلبٍ هذا ؟
وأيُّ منطق ؟
المواجهة : حين يسقط القناع ■■■
عندما مثل المعلم أمام اللجنة ..
قال له الدكتور بهدوء العاقل :
“مع قناعتي العميقة بكون المدير مستحقًا للمحاسبة .. توقعت أن يكون المشتكي أحد زملائك .
أما أن تكون أنت المشتكي على من أسدى إليك معروفًا .. فهذا ما أعجز عن استيعابه .”
لم يتراجع
لم يتردد
قالها صراحة :
نعم ….. أرغب أن يتضرر
بل أعلن استعداده لملاحقته لسنوات ..
رغم أنه انتقل إلى إدارة تعليم أخرى .
قطع المسافة من الدمام ليُتمّ شكواه .
هنا لم يعد الأمر خلافًا إداريًا .
بل صار مشهدًا أخلاقيًا مكشوفًا .
اللؤم ..
حين لا يكتفي بإنكار المعروف ..
بل يسعى لإيذاء صاحبه ..
الاختناق الأخلاقي ■■■
التفت الدكتور إلى زميله في اللجنة وقال :
“أستأذنك في الانسحاب .. أشعر باختناق شديد من هذا الموقف .”
ثم قال كلمة لا تُنسى :
“لا يشرفني أن يكون لي اسم في معاملة مخجلة يأنف الكريم أن يكون طرفًا فيها .. ولو كان للتحقيق والتقصي .”
خرج …
وقد سلب الموقف طاقته .
وقال جملة تختصر المشهد كله :
الحياة مسرحٌ كبير ..
كما نرى صاحب الخلق الرفيع ..
نجد في المقابل صاحب السلوك الوضيع .
القراءة الأعمق : ماذا حدث حقًا ؟ ■■■
نعم … المدير أخطأ بمخالفته النظام .
وهذا يُحاسب عليه .
لكن بين الخطأ الإداري
والسقوط الأخلاقي
مسافة شاسعة
الخطأ يُصحّح
أما اللؤم .. فيكشف معدنًا
هناك فرق بين من يطالب بالحق ..
ومن يتتبع الإحسان ليحوّله سلاحًا .
فرق بين من يرفض المخالفة من باب المبدأ ..
ومن يستمتع بالمخالفة ثم يشهرها حين تُمس مصلحته .
البعد الإيماني : حين يغيب الوفاء ■■■
في شريعتنا ..
العدل مطلوب
لكن الوفاء خُلق
وقد قال ﷺ :
“لا يشكر الله من لا يشكر الناس .”
فكيف بمن لم يكتفِ بعدم الشكر ..
بل جعل المعروف تهمة ؟
إن أخطر ما يُصيب القلوب ليس الخطأ ..
بل الجحود .
الجحود حين يتغذى على المصلحة .
وحين يتحول المعروف إلى ورقة ضغط .
ماذا نتعلم ؟ ■■■
أن مخالفة النظام لا تُبرَّر بحسن النية .
وأن الإحسان لا يعفي من المحاسبة .
لكن أيضًا .. أن اللؤم ليس مطالبة بحق ..
بل رغبة في الإضرار .
المدير أخطأ إداريًا ..
المعلم سقط أخلاقيًا .
والفرق بين الخطأ والسقوط .. كالفرق بين زلة قدم .. وانهيار ضمير .
الضربة الأخيرة ■■■
ليس أخطر ما في الحكاية أن مديرًا خالف نظامًا ..
ولا أن معلمًا اشتكى ..
الأخطر ..
أن يتحول المعروف إلى فخٍّ ينصبه المنتفع لمن أحسن إليه .
أن يُمحى أثر الجميل بمجرد أول مساءلة .
أن يصبح الإحسان عبئًا على صاحبه .
اللؤم في أبشع صوره ..
أن تُغلق باب الوفاء بيديك ..
ثم تطلب من الناس أن يصفقوا لعدلك .
وهنا ..
لا نملك إلا أن نسأل أنفسنا :
حين نختلف ..
هل نختلف بكرامة ؟
وحين نُحاسب ..
هل نُحاسب بضمير ؟
وحين يُحسن إلينا أحد ..
هل نحفظ المعروف .. أم ننتظر لحظة نُشهِر فيها سيف الشكوى ؟
هذه الحكاية ليست عن معلمٍ ومدير .
إنها عن معدنٍ يظهر عند أول اختبار .
فاللؤم ليس موقفًا عابرًا ..
بل قرارًا داخليًا بأن يُقدَّم الأذى على الوفاء .
نسأل الله قلوبًا لا تنسى المعروف ..
ولا تتقن إيذاء من أحسن إليها .
وسلامتكم 🌧️
أثر لاينسى
جدة
الاربعاء النصف من شهر رمضان المبارك لعام ١٤٤٧
٤ مارس ٢٠٢٦

