الصادقون دائمًا يدفعون الثمن .. غالياً .. لأن الحق في نفوسهم لا يقبل المساومة .. ولا يلين أمام رغبة الناس في التظاهر أو التملق ..
تدبر قصة الثلاثة الذين خلفوا .. هؤلاء الذين أحبهم الله .. أحبهم الصادقون في قلوبهم قبل أن يحبهم الناس .. ولكن الأرض ضاقت عليهم .. والناس قاطعوهم .. وعلى رأسهم خير البشر صلى الله عليه وسلم .. وذلك بسبب صدقهم ..
الصدق لا يرحم من أراد أن يختبره .. الصدق يضع الإنسان في مواجهة نفسه أولًا .. ثم في مواجهة الآخرين .. ثم في مواجهة العالم كله .. حتى يكتشف المؤمن أين يقف حقًا .. وما هي قيمته عند الله ..
في سورة التوبة نقرأ عنهم:
“وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم”
تأملوا هذه الآية .. تأملوا هذه الرحمة التي تلخص كل شيء .. عندما يضيق المكان .. يضيق القلب .. وتظن أن العالم كله غاضب عليك .. حينها تعرف أن الملجأ الحقيقي هو الله وحده .. وأن الابتلاء هو اختبار المحبة والصدق ..
إنهم خلفوا .. ليسوا أضعف من الآخرين .. بل صبرهم وصدقهم كان أعمق .. تحملوا قسوة الناس .. تحملوا الفقد .. تحملوا الغربة في قلوب من أحبوا .. وكل هذا كان ليختبرهم ويصقلهم .. ليُظهِر نورهم حين يكتمل الامتحان .. حين تنزل التوبة .. وتقبل عند الله ..
الصدق الحقيقي لا يُقاس بمدى رضا الناس .. بل بمدى ثباتك أمام الله .. بمدى قدرتك على مواجهة نفسك .. على مواجهة الألم .. على مواجهة المواقف التي تُظهر معدن قلبك ..
هذه القصة ليست مجرد تاريخ .. ليست مجرد أسماء .. إنها درس لكل من يحمل الصدق في قلبه .. لكل من يخاف أن يكون صادقًا في زمن الكذب .. لكل من يظن أن الصدق عبء ..
الصدق نور .. لكنه يجرحه الناس أحيانًا .. لكنه في النهاية يوصلك إلى الله .. يوصلك إلى الرحمة .. و يملأ قلبك بالطمأنينة التي لا يمنحها أحد سواه سبحانه ..
فكل تجربة صادقة .. كل موقف ابتلاء فيه الصدق .. كل ضيق يمر به قلب صادق .. هو جسر إلى التوبة والرحمة والسكينة ..
وهنا نتعلم أن الابتلاء لا يُعاقبنا بل يمتحن صدقنا ويقيننا .. وأن كل من حمل الصدق صبرًا وتفكرًا .. سيجد في النهاية أن الرحمة كانت قريبة أكثر مما تصور ..
اصدقوا .. تحرروا من خوف الناس .. اطمئنوا إلى حكم الله .. ولا تظنوا أن الابتلاء نهاية الطريق .. بل هو بداية نور يُنير القلب والروح ..
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
أثر لاينسى ..
جدة ..
الثلاثاء .. ٢٧ جمادى الأولى ١٤٤٧
الموافق ١٣ نوفمبر ٢٠٢٥
الساعة ٧:١٥ صباحًا …

