في زمنٍ سريعٍ يهرب فيه الجميع إلى الجاهز والسهل .. يصبح أحدهم أو القارئ الذي يبحث بنفسه أشبه بكنزٍ نادر .. كثيرون يريدون إجابة سريعة .. مقالًا مكتوبًا .. معلومةً جاهزة .. لكن المعرفة الحقيقية لا تُهدى بلا جهد .. ولا تُقطف بلا سعي .. ولا تستقيم بلا تعب ..
كم من مرة نسمع أحدهم يقول: “لا أعرف عن هذا الموضوع شيئًا .. لا أستطيع الكتابة عنه” ولكن الحقيقة أن المعرفة ليست أمرًا فطريًا .. بل رحلة تبدأ بخطوة واحدة نحو الكتب .. نحو البحث .. نحو إعمال العقل ..
أذكر مثالًا حيًا.. كان أحدهم يسأل عن مسألة معينة.. فأجبت عن سؤاله وقلت له: راجع المصادر وستجد الإجابة .. لم يكن الأمر بسيطًا، لكنه كان يحتاج إلى الصبر والاهتمام .. وفي تجربة أخرى، أحدهم تردد في البداية عندما طُلب منه كتابة مقال عن موضوع لم يسمع به من قبل .. فقلت له: ينبغي أن تكتب .. وهذا ليس خيارًا .. بعد أسبوع، عاد وقال: لو أعطيتني وقتًا لأحضرت بعض المقالات والمواد الأولية .. وبعد شهرين تقريبًا كتب مقالة ممتازة .. أكثر نضجًا مما كتبه بعض المتخصصين .. وأظهر قدرة رائعة على البحث والمعالجة ..
أيها القارئ .. لماذا تطلب “سندويشة” معرفية جاهزة .. إذا كنت تستطيع أن تجمع المواد الأولية .. ومن ثم تباشر بنفسك طبخ وجبتك الفكرية .. بطعمك .. وجهدك .. ولمستك الخاصة التي لا تشبه أحدًا ..
إن أجمل ما في التعلم أنك أنت من يشعل شرارته .. وأنت من يكمّل مساره .. وأنت من يكتشف في القراءة أبوابًا لم يكن يعلم أنها موجودة أصلًا ..
ولأجل هذا .. عندما يعيش الإنسان في عصر تزدحم فيه الأصوات وتتداخل فيه الدعوات .. يصبح لزامًا عليه أن يمتلك نافذة خاصة به .. نافذة تطل على مكتبته .. على كتبه .. على مساحته الفكرية الخاصة التي لا ينازعه عليها أحد .. أن يقرأ .. ثم يقرأ .. ثم يقرأ .. ثم يكتب ..
فالكتابة ليست لهو .. بل تدريبٌ للنفس على الفهم .. وللعقل على التفكير .. وللروح على ترتيب فوضاها .. وكلما كان القارئ صادقًا في بحثه .. كان الكاتب الذي يتشكل بداخله أنقى .. أعمق .. وأقرب إلى جوهر الإبداع ..
تخيل نفسك وأنت تمسك كتابًا لأول مرة .. تقرأ جملة .. ثم ثانية .. ثم ثالثة .. تتوقف لتفكر .. لتسأل نفسك عن المعنى العميق وراء كل كلمة .. هذا هو سرّ الخلوة .. هذا هو سرّ النضج ..
ولذا نقولها بوضوح .. بكل ما تعنيه من صدق: الخلوة بالكتاب أصبحت واجبة .. والعزلةُ خميرة الإبداع ..
في العزلة تتخمّر الأفكار .. وفي الصمت تتشكل الحكمة .. وفي الخلوة مع الورق ينضج الكاتب الحقيقي الذي لا ينتظر أن يتلقّى .. بل يُنشئ .. لا يستهلك النصوص .. بل يصنعها .. لا يكتفي بما يُعطى .. بل يبحث عمّا يجب أن يُقال ..
اقرأ كثيرًا .. واكتب كثيرًا .. ودَع عزلتك تُنضج موهبتك كما تُنضج الشمسُ عجينة الخبز لتصبح رغيفًا يشتهي الناس طعمه ..
أثر لاينسى ..
جدة .. الخميس ٢٠ جمادى الآخرة ١٤٤٧
الموافق ١١ ديسمبر ٢٠٢٥

