في عالم التدريب والقيادة ليست المواقف الصعبة مجرد أحداث عابرة ..
بل دروس تُصاغ منها الخبرة ..
وتُبنى بها شخصية القائد ..
ومن المواقف التي توقفت عندها طويلًا ما طرحه الدكتور مسفر القحطاني في قروب مدربات مبدعات حول تجربته مع ما أسماه بـ “الجدار المقدّس” ..
لم تكن القصة مجرد موقف تدريبي ..
بل كانت نموذجًا حيًا لإدارة لحظة حرجة .. ومواجهة اختبار حقيقي للقيادة تحت ضغط العيون والانتظار ..
الدكتور مسفر يطرح دائمًا مواقف واقعية لا للتشويق ..
بل للتأمل والتعلّم ..
وهذا ما يجعل الطرح ثريًا .. حيًا .. وقابلًا لإعادة القراءة من زوايا متعددة ..
وضعت هنا قراءة تحليلية مستلهمة من قصته .. تقديرًا لما يطرحه من خبرات تستحق أن تُكتب .. وأن تُفهم بعمق ..
الجدار المقدّس 🧱🌿
حين يتحول الصمت إلى رسالة ..
ويتحول الموقف إلى درس قيادة
في إحدى القاعات التدريبية لم يكن الجدار مجرد جدار ..
كان شاهدًا على صراع صامت بين الحزم والحياء ..
بين القيادة والانفعال ..
بين الرغبة في الكلام ..
وحدود النظام ..
بدأت القصة بمداخلة ..
مداخلة بدأت مفيدة ..
ثم طال بها الطريق ..
إشارة لطيفة بالشكر ..
ثم إشارة أخرى للعودة للبرنامج ..
ثم ثالثة ..
ثم رابعة ..
والكلمات مستمرة ..
في تلك اللحظات لم يكن المدرب وحده في الموقف ..
كانت العيون تحاصره ..
نظرات تنتظر ..
كيف سيتصرف ..
هل سيحسم ..
أم سيتراجع ..
القيادة في جوهرها ليست سيطرة .. وليست استعراض قوة ..
هي حماية الإطار العام من أن يتحول إلى فوضى ..
وحين استُنفدت الإشارات جاء القرار الصامت ..
تركها تتحدث حتى تنتهي ..
ثم العودة إلى البرنامج دون تعليق ..
لم تكن قسوة ..
كانت رسالة ..
لكن الرسائل لا تُقرأ دائمًا بالهدوء ..
منذ تلك اللحظة اختارت المتدربة أن تنظر إلى الجدار ..
جدار أصبح فجأة ملاذًا .. ملجأً .. وربما احتجاجًا صامتًا ..
وكأنها تقول ..
إن لم تنظر إليّ .. فلن أنظر إليك ..
ذلك هو الجدار المقدّس ..
حين يتحول الانسحاب إلى عقوبة غير منطوقة ..
ماذا يحدث داخل النفس في مثل هذه المواقف ..
أحيانًا حين يشعر الإنسان بالحرج أمام جمعٍ من الناس ..
لا يملك إلا أحد خيارين ..
إما الاعتراف اللحظي بالخطأ ..
أو الاحتماء بالكبرياء ..
والكبرياء حين يُجرح قد يختار الجدار ..
ليس لأن الجدار مهم ..
بل لأن المواجهة أصعب ..
هل كان الحزم ضروريًا ..
نعم ..
لأن القائد الذي يسمح بتجاوز الإطار مرة ..
يفتح الباب لتجاوزه مرات ..
ولأن البرنامج ليس ملكًا لشخص واحد ..
هو مسؤولية أمام الجميع ..
الحزم لا يعني الإهانة ..
والتجاهل أحيانًا ليس انتقامًا ..
بل إعادة توازن ..
ثم حدث ما لم يكن متوقعًا ..
انتهى البرنامج الأول ..
وجاء التقييم قاسيًا .. حادًا .. مليئًا بالانفعال ..
لكن المدرب بحكمة مزّق الورقة ..
ليس رفضًا للنقد ..
بل رفضًا لتحويل لحظة غضب إلى حقيقة دائمة ..
مرّ شهر ..
عادت المتدربة ذاتها ..
لكن دون جدار ..
كانت أول المتفاعلات ..
أكثرهن إشادة ..
أصدقهن امتنانًا ..
ما الذي تغيّر ..
هل تغيّر المدرب ..
أم هدأت المشاعر ..
أم أن بعض الآراء لا تكون إلا أبناء لحظتها ..
الحقيقة أن كثيرًا من الأحكام التي نطلقها ..
لا تعبّر عن الحقيقة ..
بل عن حالتنا النفسية في تلك اللحظة ..
الدرس الأعمق ..
ليس كل من يقف أمامك معارضًا عدوًا ..
وليس كل من يكتب عنك سلبًا يرى حقيقتك كاملة ..
بعض الناس يحتاج مسافة زمنية ..
ليتصالح مع موقف لم يفهمه في حينه ..
والقائد الناضج ..
لا يُسقط الناس من حسابه بسبب لحظة ..
كما أنه لا يتراجع عن قراره الصحيح خوفًا من نظرة ..
الجدار المقدّس ليس جدارًا ..
هو رمز ..
رمز لكل مرة ننسحب فيها بدل أن نعترف ..
نغضب بدل أن نفهم ..
نُقيّم الأشخاص من نافذة انفعالنا ..
والأجمل في القصة ..
ليس الحزم ..
ولا التجاهل ..
ولا حتى التفاعل اللاحق ..
الأجمل أن القصة انتهت دون خصومة ..
وهذا نضج ..
ربما في حياتنا جميعًا ..
مررنا بلحظة نظرنا فيها إلى جدارنا المقدّس ..
وربما كنا يومًا ما ..
ذلك المدرب ..
القيادة ليست أن تنتصر في الموقف ..
بل أن يخرج الجميع منه دون أن تُكسر الكرامات ..
وحدهم الناضجون ..
يعرفون أن بعض المواقف ..
لا تحتاج ردًا ..
بل تحتاج زمنًا ..
ولأن مثل هذه المواقف لا تُروى للتسلية .. بل للتأمل والتعلّم ..
ولأن القيادة الحقيقية تُفهم من الميدان لا من التنظير ..
فإن الاستماع إلى القصة كما طُرحت بصوت صاحبها ..
ومتابعة الطروحات القيادية الثرية التي تُناقش هناك ..
يمنح مساحة أوسع لفهم أبعاد الموقف كما هو ..
لا كما يُختصر في الكلمات ..
ومن رغبت في التعمّق والاستفادة أكثر .. فستجد في قروب مدربات مبدعات مساحة تستحق المتابعة ..
https://chat.whatsapp.com/GI0fgVR7bFM1KxVP4cxf5c?mode=gi_t
أثر لاينسى ..
جدة .. عروس البحر
الأثنين
٦ رمضان ١٤٤٧
٢٣ فبراير ٢٠٢٦

