التقرير الوردي ..  حين ينتصر الحِلم على الغضب  ⚖️

file 000000000314720ab47cbb7621dfd617


التقرير الوردي ..  حين ينتصر الحِلم على الغضب  ⚖️

قد يبدأ المشهد بضجيج  ..
لكن الحكاية الحقيقية تبدأ أحيانًا بورقةٍ صامتة  .. بلونٍ هادئ  .. تخفي خلف هدوئها ارتجاف قلوب  .. وتخبئ بين سطورها اختبارًا للعدل  .. وامتحانًا للحِلم  .. ومفترق طرقٍ بين الانفعال والحكمة ..
في الحياة التربوية مواقف تمرّ سريعًا على العيون .. لكنها لا تمرّ على الضمائر ..
مواقف لو أُديرت بانفعالٍ لأشعلت نارًا .. ولو أُديرت بوعيٍ صنعت أثرًا لا يُنسى ..
ولم يكن مجرد عنوانٍ جذّاب ..
بل كان وعدًا بقصةٍ تختبر معنى القيادة  .. وتكشف كيف يمكن لفنجان قهوة  .. وكلمة موزونة  .. ونظرة رحيمة .. أن تغيّر مسار غضبٍ كاد أن يطيح بمعلم  .. ويشوّه صورة مؤسسة  .. ويترك في قلب طفل أثرًا لا يندمل ..
ليلتها قالها الدكتور مسفر القحطاني في قروب مدربات مبدعات بهدوئه المعتاد :
” الليلة موعدنا مع موقف : التقرير الوردي . “
ولم يكن يعلم كثيرون أن ورقةً بلونٍ هادئ قد تحمل في طيّاتها عاصفة .. وأن تقريرًا طبيًا صغيرًا قد يختبر قلب قائد  .. ورشد مدير  .. وعدل مسؤول  .. وحكمة مؤسسة بأكملها ..
كان في زيارة لإحدى مدارس أرامكو الابتدائية  .. بصفته رئيسًا للمرحلة الابتدائية  .. يتفقد سير التعلم والتعليم  .. لا بوصفه مراقبًا إداريًا فحسب  .. بل حارسًا لمعنى الرسالة  .. وساهرًا على نبض الفصول ..
مدير المدرسة زميل قديم في قسم الصفوف الأولية ..
مشرفًا تربويًا بالأمس .. ومديرًا اليوم باختياره  .. إذ مالت نفسه إلى العمل الإداري  .. لا طمعًا في منصب .. بل رغبةً في أثر ..
بينهما مودة صافية  .. يعرف فيه الجِدّ .. والصدق  .. وحرصًا حقيقيًا على نفع معلميه وطلابه ..
رجلٌ إذا جلس معك شعرت أن المدرسة عنده ليست جدرانًا  .. بل أمانة ..
كان اللقاء وادعًا .. حتى اندفع الباب فجأة ..
دخل ولي أمر  .. وفي يده ورقة وردية يلوّح بها كما يُلوّح المحارب براية ثأره ..
كانت التقرير الطبي لابنه الصغير  .. طالب الصف الثاني الابتدائي ..
عيناه تقدحان شررًا  .. وصوته يسبق خطاه ..
صرخ في وجه المدير  .. وطلب استدعاء معلمٍ ذكر اسمه ..
قال له المدير إن المعلم مشغول الآن ببعض الأعمال ..
فارتفع الصوت أكثر ..
تردد المدير لحظة  .. ومدّ يده نحو مكبر الصوت لينادي المعلم ..
لكن يدًا أخرى أشارت إليه أن انتظر ..
هنا بدأت القيادة ..
ما زال ولي الأمر واقفًا  .. والغضب يضرب أركان المكان ..
فناداه الدكتور بهدوء :
” تفضل .. اجلس بجانبي . “
نظر إليه الرجل بحدة وسأل :
” من أنت ؟ “
قال بثقة لا تعرف التحدي ولا تخشى المواجهة :
” أنا من سيجعلك تخرج من المدرسة راضيًا . ناولني التقرير الذي في يدك . “
ثم أردف :
” أنا مدير المرحلة الابتدائية في المحافظة .. والمعلم الذي جئت تشتكي عليه ، إن ثبت خطؤه ، فتأكد أنه لن يفلت من المساءلة . “
قال ولي الأمر إن ابنه ضُرب ضربًا مبرحًا ، وإن التقرير يكشف عن رضوض بسبب معلمٍ ” وحشي مستهتر ” — هكذا وصفه وهو يغلي ..
وهنا حدث ما لا يفعله إلا من تمرّس بفهم النفوس ..
التفت الدكتور إلى المدير وقال :
” أسعفنا — الله يرضى عليك — بقهوة أو شاي .. فقد وترني هذا المعلم الذي لن يفلت من العقاب . “
دار فنجان القهوة .. وسرى تمر الخلاص في المكان سريان السكينة في قلبٍ مضطرب ..
ليس في القهوة سحر .. لكن في الحكمة سحرًا ، إذا صُبّت في فنجان صبر ..
حاول الرجل العودة إلى غضبه ، فقيل له بهدوء :
” انتهى الموضوع .. إن عدت غدًا ووجدت المعلم في المدرسة فلك الحق . “
ثم انتقل الحديث إلى حيث لا يتوقع الغاضب ..
سُئل عن عمله ، فقال : في أرامكو ..
فأثنى عليه ، وذكر له بعض الأسماء من معارفه في الشركة ، فعرفهم الرجل ، وأخذ يمدحهم ..
ومن الحديث عن الشكوى ، انتقل الحديث إلى أرامكو ، وطبيعة العمل ، وتفاصيل الحياة المهنية ..
لم يكن ذلك التفافًا .. بل امتصاصًا ..
فالغضب موجة ، إن واجهتها انكسرت عليك ، وإن سايرتها هدأت ..
حتى إذا سكن القلب ، قال له :
” الآن .. يمكن أن نتناقش . “
قال له بصفته مسؤولًا ، وقال له بصفته أبًا :
” نقل المعلم سهل جدًا .. ويكفي تقريرك الوردي لنقله اليوم إلى أبعد مكان . لكن دعني أصارحك .. لا يهمني المعلم بقدر ما يهمني ابنك .. إن نُقل المعلم بسبب ابنك ، فقد يستوحش منه المعلمون .. وقد ينفرون منه غضبًا لزميلهم .. وقد لا يعززون سلوكياته الجيدة .. بل قد يتجاهلون أخطاءه أو يبالغون فيها .. وكل ذلك سيدفع ثمنه ابنك ، لا المعلم . “
سكت الرجل ..
فالكلمات حين تخرج من قلبٍ صادق ، تبلغ قلبًا صادقًا ..
قال : ” طيب .. والحل ؟ “
قال :
” الحل أن تترك الموضوع لي .. سأستدعي المعلم بعد خروجك ، وسأعاتبه عتابًا شديدًا .. بل سأحاسبه بما يليق .. وإن تكرر الضرب ، فلا تأتِ إلى المدرسة .. بل تعال إليّ مباشرة في إدارة التعليم ، الدور الثالث ، مكتب 51 .. وسترى ما يكون
.

قال ولي الأمر :
” ممتاز .. لكن أهم شيء ألا يعلم المعلم أنني جئت أشتكي عليه . “
قال له :
” لا تقلق .. اترك الأمر عندي . “
وخرج الرجل .. لا صراخ .. لا تهديد .. لا تقرير يُلوَّح به ..
استُدعي المعلم ..
قيل له بصرامة :
” هل تعلم أنك مستحق للنقل التأديبي ؟ لماذا كل هذا العنف ؟ “
قال :
” والله لقد استفزني وأخرجني عن طوري . “
سُئل : هل أخبرت المدير عن سلوكيات الطالب ؟
وقبل أن يجيب ، قال المدير :
” لم يخبرني بشيء . “
قيل له :
” مديرك مشرف تربوي عملاق ، وصاحب خبرة عميقة .. ولم تستفد من وجوده استشارةً أو رأيًا ؟ لقد أوقعت مديرك في حرج كبير أمام ولي الأمر الذي كان يلوّح بالتقرير في وجوهنا . “
اعترف ..
واعتذر ..
وتعهد بعدم التكرار ..
ثم قيل له كلمة تختصر المشهد كله :
” هل تعلم لماذا قمت بهذه اللفة الطويلة مع ولي الأمر ؟ من أجل ألا يلحقك ضرر .. ولتعرف ماذا يمكن أن يجرّ عليك تصرف كهذا . “
انحنى رأسه حياءً ..
وقيل له :
” الذي يستحق الاعتذار ليس أنا .. بل مديرك النبيل ، الذي كنت أقرأ في عينيه الشفقة عليك أن يلحقك أذى بسبب موقفك . “
فالتفت إلى مديره ، واعتذر ، وكرر اعتذاره ..
وغادر الدكتور المكان .. سعيدًا لا لأنه انتصر لأحد ، بل لأنه انتصر للمبدأ ؛
حفظ حق الطالب .. وصان كرامة المعلم .. وحمى المؤسسة من انكسار الثقة .. وجعل من التقرير الوردي درسًا ذهبيًا ..
ليست القيادة أن تعاقب سريعًا ..
ولا أن تنحاز عاطفيًا ..
ولا أن تستعرض السلطة أمام الغاضبين ..
القيادة أن ترى ما وراء الورقة ..
أن تحمي الغد وأنت تعالج اليوم ..
أن تعرف أن الطفل أمانة ، والمعلم أمانة ، وسمعة المدرسة أمانة ..
وأن الغضب إذا قاد القرار أفسد .. وإذا قاده الحلم أصلح ..
ذلك هو التقرير الوردي ..
لم يكن ورقةً طبية فحسب ..
كان امتحانًا للعدل ..
ومشهدًا من مشاهد الحِلم ..
ودرسًا في أن التربية ليست إدارة مواقف ، بل إدارة نفوس ..
ومن يملك مفاتيح النفوس ..
لا يحتاج أن يرفع صوته .

أثر لاينسى
جدة
ليلة الأحد ١٢ رمضان ١٤٤٧
١ مارس ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

2 لا يوجد تعليقات

  1. صباح محمد المولد

    كم من حديث قد يُتعب القلوب لكن معه تهدأ النفوس حين تضطرب العلاقات تكون الحكمة هي العلاج الذي يُصلح ماأفسده الغضب لذا لم يكن تقريرًا ورديًا بل كان صبر وقراءة مابين السطور لموقف قد يجر ويلات الألم والهم على المعلم والطالب .. لله درك دكتور مسفر ..

    1. شكرًا لمرورك الكريم أستاذة صباح ..
      ولتأملك العميق في المعنى ..
      فالحكمة والصبر هما سبيل التعامل مع المواقف الصعبة ..
      ونسأل الله أن يجعل ما يُكتب سببًا في الإصلاح ونفع الجميع ..
      تقديري واحترامي 🌸

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *