أولئك يُحزنهم كلُّ شيء .. لأن قلوبهم حيَّة ♥️

img 20260215 wa0079

أولئك يُحزنهم كلُّ شيء .. لأن قلوبهم حيَّة ♥️
أولئك الذين ينتقون الصور بعناية ..
ويكتبون الرسائل بدقّة ..
ويُصلحون الكلمات قبل أن تُرسل كي لا تجرح أحدًا ..
ويشعرون بالارتباك في نبرة صوتٍ خافتة ..
ويرتجف فيهم شيءٌ عند نظرةٍ حائرة ..
أولئك يُحزنهم كلُّ شيء ..
ليس لأنهم ضعفاء .. ولا لأنهم هشّون ..
بل لأن قلوبهم ما زالت حيّة ..
في زمنٍ تبلَّدت فيه الأحاسيس .. وتصلَّبت فيه الأرواح .. وازدحم بالضجيج الذي لا يُبصر دمعةً صامتة .. يبقى هؤلاء قناديلَ صغيرةً في العتمة .. يلتقطون ما يسقط من مشاعر الآخرين .. ويجمعون الشظايا التي لا يراها أحد ..
يحزنهم الظلم .. ولو كان بعيدًا ..
يحزنهم الفتور في كلمةٍ اعتادوا فيها الدفء ..
يحزنهم تغيُّر النبرة .. وتبدُّل الملامح .. وصمتٌ لم يكن مألوفًا ..
إنهم لا يعيشون الحياة بسطحها .. بل يغوصون إلى أعماقها .. ولذلك تجرحهم الموجة قبل أن تصل إلى الشاطئ ..
لكن ..
ألم يقل الله تعالى ..
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾
فالحياء في القلب حياة .. والحساسية المرهفة ليست عيبًا إذا وُجِّهت إلى الله .. بل هي نعمةٌ تحتاج إلى ميزان ..
كان قلب النبي ﷺ .. وهو أكمل البشر .. أرقَّ القلوب وألينها .. ومع ذلك كان أثبتها .. كان يحزن .. ويبكي .. ويتألم .. لكنه لم يكن حزنًا يقطعه عن ربه .. بل حزنًا يقرّبه إليه .. وقد قال الله له في كتابه الكريم ..
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾
حتى في حزنه .. كان موصولًا بالسماء ..
هؤلاء الذين يُحزنهم كل شيء .. يحتاجون أن يتعلّموا سرًّا عظيمًا ..
أن يجعلوا قلوبهم لله أولًا .. لا للناس ..
أن يُحسنوا .. لكن لا يتعلّقوا ..
أن يشعروا .. لكن لا يستنزفوا أرواحهم في كل عابرٍ ومارّ ..
ليست المشكلة في رِقّة القلب .. بل في أن يظل بلا حصن ..
وحصنه .. ذكر الله ..
وحراسه .. حسن الظن به ..
وسياجه .. اليقين أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه .. وما أصابه لم يكن ليخطئه ..
حين يعلم العبد أن كل ما يجري بتقدير الله .. يهدأ اضطرابه ..
وحين يُوقن أن القلوب بيد الله .. لا بيد البشر .. يتخفّف من عبء المراقبة والتأويل ..
وحين يستشعر أن الله أقرب إليه من حزنه نفسه .. يتحوّل الألم إلى دعاء .. والوجع إلى مناجاة .. والدمعة إلى نور ..
يا أصحاب القلوب الحسّاسة ..
لا تخجلوا من رقّتكم .. فهي دليل حياة ..
لكن تعلّموا أن تضعوا بينكم وبين العالم مسافةً من توكّل ..
أحسنوا .. وابتسموا .. واكتبوا الرسائل بدقّة .. وانتقوا الصور بعناية ..
لكن إذا تغيّرت النبرة .. فلا تغيّروا ثقتكم بالله ..
وإذا انكسرت التفاصيل .. فلا ينكسر يقينكم ..
ليس مطلوبًا منكم أن تقسو قلوبكم كي تعيشوا ..
بل أن تقووا بالله كي تطمئنوا ..
وتذكّروا دائمًا ..
إن الذي خلق قلوبكم بهذه الرِّقّة .. لم يخلقها عبثًا ..
ربما جعلكم مرايا لغيركم .. أو ملاذًا لمن لا يجد ملاذًا .. أو رسالة رحمة تمشي على الأرض ..
فلا تجعلوا الحزن يغلبكم ..
بل اجعلوه جسرًا بينكم وبين الله ..
أولئك الذين يُحزنهم كل شيء ..
لو عرفوا قدر قلوبهم عند الله .. لعلموا أن رِقّتهم اصطفاء .. وأن دموعهم ليست ضعفًا .. بل دليلُ نورٍ لم ينطفئ ..
فاحفظوا نوركم ..
واربطوا قلوبكم بالسماء ..
كي يبقى الحزن فيكم رِقّة .. لا انكسارًا ..
وحياةً .. لا عبئًا .

أثر لاينسى
جدة
الأحد ٢٧ شعبان ١٤٤٧
١٥ فبراير
٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *