هناك لحظات صغيرة .. تبدو عند البعض عابرة .. لكنها في ميزان الروح ثقيلة ورحبة .. ومن تلك اللحظات .. ابتسامة صادقة تنبع من نور القلب قبل أن ترتسم على الوجه .. نحن أمّةٌ جُعلت فيها الابتسامة عبادة .. وحُسبت فيها بسمة واحدة صدقة .. تفتح أبوابًا كانت مغلقة .. وتلين قلوبًا كانت متعبة ..
في عالم مكتظ بالضجيج .. يركض الناس خلف ما يثقل أرواحهم .. حتى ينسوا أن أبسط ما يملكونه قد يكون أعظم ما يمنحونه .. حين نبتسم .. لا نجمّل وجوهنا فقط .. بل نعيد ترتيب الداخل .. ونذكّر أنفسنا بأن النقاء لا يزال ممكنًا .. وأن القلوب مهما أثقلتها الأيام .. تستعيد قدرتها على اللطف بمجرد إشارة صغيرة من الداخل ..
الابتسامة ليست أسلوبًا اجتماعيًا .. بل فكرة عميقة .. وقرارًا هادئًا يترك أثرًا طيبًا في النفس .. يُضيء القلب كما تُضيء الطاعة والعبادة حياة الروح .. إنها لغة لا تحتاج إلى ترجمة .. وفعل نقي لا يُنتظر منه مقابل .. رسالة تقول .. ما زال الخير فينا .. وما زالت الحياة تستحق أن نمرّ عليها بقلوب مطمئنة .. مهما اشتدّت التفاصيل .. وتعقّد المسير ..
ولأننا أمة تتوكّل على الله .. وتثق برحمته .. فإننا لا نبتسم كي نُظهر جمالًا زائفًا .. بل نبتسم لأن الله علّمنا أن اللطف عبادة .. وأن القلوب التي تبتسم رغم كل شيء .. تُرضي ربها قبل أن تُسرّ من حولها ..
ابتسموا .. فالبسمة ليست تنازلًا .. ولا ضعفًا .. ولا غفلة كما يظن البعض .. بل يقين بأن الله يدير شؤون حياتنا برحمته .. وأن ما كتب لنا لن يضلّ طريقه .. وما صرفه عنا كان خيرةً قد لا ندركها ..
ابتسموا .. لأن الأرواح المتعبة تحتاج إلى لفتة .. ولأن الحياة أقصر من أن نمرّ بها بوجوه منطفئة ..
ابتسموا .. فربما كانت ابتسامتك جبرًا لقلب .. وحياة لروح .. وصدقة لا تعرف أثرها .. لكنها تعود إليك نورًا في وقت تحتاج فيه إلى النور ..
أثر لاينسى ..
جدة .. السبت غرة جمادى الآخرة ١٤٤٧ ..
الموافق ٢٢ من شهر نوفمبر ٢٠٢٥ م

